أدب ثقافة فن شعر ... الخ
 
دخولالرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيل
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» لقاء"خاطرة"
الإثنين فبراير 01, 2010 2:18 pm من طرف هالة صبيح

» الأمام محمد عبدة
الخميس يناير 22, 2009 6:21 am من طرف hayan_h2007

» أبدل القناديل ..
الإثنين يناير 19, 2009 7:09 pm من طرف hayan_h2007

» غزة .. حلم آخر
الثلاثاء يناير 06, 2009 9:57 am من طرف shoog77

» نداااااااااء لضمائر الحكام
الثلاثاء يناير 06, 2009 9:41 am من طرف shoog77

» أقداح خارج السُكر ...
الثلاثاء يناير 06, 2009 9:32 am من طرف shoog77

» لا يغرقني الموج ..
السبت يناير 03, 2009 12:55 pm من طرف toutou

» لامسه نبضي ..
السبت يناير 03, 2009 12:43 pm من طرف toutou

» أثواب الخطايا ..
الجمعة يناير 02, 2009 4:38 am من طرف toutou

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الفهرس
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى

التبادل الاعلاني
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
عمر موسى - 433
 
حنين - 361
 
shoog77 - 107
 
بنت الرياحين - 100
 
جاك - 93
 
ever - 89
 
بكر - 83
 
adnan84 - 58
 
*همس الصدى* - 52
 
toutou - 38
 
calculatrice






شاطر | 
 

 النقد الأدبي ..

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 1:55 am






الفرق بين النقد والبلاغة


معني البلاغة :

البلاغة مشتقة من كلمة ( بلغَ ) ، التي تعني الوصول إلي النهاية ، فهي تعني في اللغة : إيصال المعني كاملا إلي ذهن القارئ والسامع .
وإذا ربطنا بين علوم البلاغة والعناصر الأساسية للعمل الأدبي وجدنا لماذا انقسمت البلاغة إلي ثلاثة علوم - كل علم منها يختص بركن أو عنصر من عناصر الأسلوب كالآتي :

1 - علم المعاني : ويختص بعنصر المعاني والأفكار ، فهو يرشدنا إلي اختيار التركيب اللغوي المناسب للموقف ، كما يرشدنا إلي جعل الصورة اللفظية أقرب ما تكون دلالة على الفكرة التي تخطر في أذهاننا ، وهو لا يقتصر على البحث في كل جملة مفردة على حدة ، ولكنه يمد نطاق بحثه إلي علاقة كل جملة بالأخرى ، وإلي النص كله بوصفه تعبيرا متصلا عن موقف واحد ، إذ أرشدنا إلي ما يسمي : الإيجاز والإطناب ، والفصل والوصل حسبما يقتضيه الموقف .

2 - علم البيان : ويختص بعنصَريْ العاطفة والصور الخيالية معاً - لأن الخيال وليد العاطفة ، وقد سمي علم البيان لأنه يساعدنا على زيادة تبيين المعني وتوضيحه وزيادة التعبير عن العاطفة والوجدان ، باستخدام التشبيهات والاستعارات وأنواع المجازات .

3 - البديع : ويختص بعنصر الصياغة ، فهو يعمل على حسن تنسيق الكلام حتي يجيء بديعا ، من خلال حسن تنظيم الجمل والكلمات ، مستخدماً ما يسمي بالمحسنات البديعة - سواء اللفظي منها أو المعنوي .

***********

علوم البلاغة وعناصر الأسلوب

* علم المعاني : يختص بالمعاني والأفكار
* علم البيان : يختص بعنصري العاطفة والصور الخيالية .
* علم البديع : يختص بتنسيق الصياغة وتجميل الأسلوب

**********

الفروق بين النقد والبلاغة :

1 - وهذه العلوم الثلاثة للبلاغة هي علوم جمالية يستفيد منها الأديب قبل إنشاء النص ، وتنتهي مهمتها عند الانتهاء من كتابته ، فالبلاغة علم تعليمي - يعلمنا كيف نعبر عن المعاني تعبيراً محددا لها - وكيف نريد من تبيين المعني والعاطفة وكيف ننسق الأسلوب والصياغة .

2 - أما النقد الأدبي فهو علم وصفي ، فهو يتضمن أصولاً وقواعد نقدية تطبق على النص الأدبى عند تقويمه - بعد تحليله وتفسيره ، ثم يكون الحكم له بالجودة ، أو عليه بالرداءة .

3 - والنقد الأدبي يفيد الأديب قبل الشروع في عمله - أي قبل بدء الكتابة - إذ كلما كانت ثقافة الأديب النقدية واسعة واعية تجنب الوقوع في الأخطاء ، وكذلك يفيده بعد الانتهاء من كتابة النص ، وذلك عند مراجعته ، وتمحيصه .

4 - ولهذا فالنقد الأدبي يجمع بين روح العلم وروح الفن - فهو مع وجود أسس نقدية دقيقة لكل عنصر من عنصر العمل الأدبي إلا أنه يمتاز بالمرونة - كما يخضع لحد كبير للذوق الخاص للقارئ أو الناقد ومن هنا قالوا النقد علم يجمع بين الذاتية والموضوعية .

3- وظيفة النقد الأدبي :

للنقد الأدبي وظيفتان شاملتان للكثير من الجوانب ....
1- وظيفة جمالية فنية . 2 - وظيفة عملية .




أولاً : الوظيفة الجمالية الفنية :
وهي التي تختص بالأدب كفن من الفنون الجميلة الراقية ، فيتناوله النقد من حيث : الشكل والمضون ، وذلك بتفسير كل منهما وتحليله ، ثم الحكم له أو عليه .
أولاً : فمن حيث الشكل : وهو الذي يشمل : لغة النص ، ومفرداته ، وأسلوبه وصوره الفنية ، وجرس ألفاظه وإيقاعها .... وضع النقاد مقاييس كثيرة ودقيقة لجودة كل عنصر من عناصر الشكل :
* من شروط المفردات ( الكلمات ) :
الدقة ، الإيحاء ، السهولة ، الألفة ، الطرافة ، الشاعرية ، الاستعمال ، الإفادة ، التكرير ، استعمال حروف الصلات والاصطلاحات .


* ومن شروط جودة الأسلوب :
مقياس النحو ، الوضوح ، القوة ، المحسنات البديعية ، التلاؤم بين اللفظ والمعني ، المؤاخاة بين الألفاظ ، الطبيعية والتكلف ، وحدة النسج ، وضعف التأليف .

* ومن حيث الصور الخيالية أو الشعرية :

1 - وضعوا شروط لجودة التشبيه ، وجودة الاستعارة ، وكذلك جودة الكناية والمجاز..
2 - عرفوا أنواع التشبيهات ، ونوع الصورة الشعرية : الجزئية - الممتدة الكلية - الفسيحة .. وعناصر كل منها .
* كما عرفوا موسيقي الشعر ، وما يجب على الشاعر تجاه الجرس الصوتي للحروف والإيقاعات ، وحسن التأليف بينها ، ومراعاتها للموقف ، وعرفوا الموسيقي وأنواعها الخارجية والداخلية الظاهرة ، والداخلية الخفية - وأثرها في جمال النص ... ومصادر كل منها . كل هذا من اختصاصات وظيفة النقد الفنية الجمالية في جانب الشكل ...


ثانياً : من حيث المضون :

والمضون يشمل المعاني والأفكار ، كما يشمل العاطفة والمتعة الفنية . وقد وضع النقاد مقاييس كثيرة لجودة عناصر المضون .

مقاييس نقد المعني :

الصحة والخطأ ، الابتكار والتقليد ، الطرافة ، الوفاء بالمعني ، الدين والخلق العلم والشعر ، المقياس النفسي - المقياس الإنساني ، الشرف والخدمة ، التناقص ، الصدق والكذب ، الإحالة ، الاتباع والابتداع السطحية والعمق ، الموهبة الشعرية ، تجويد المعاني ... إلخ .


مقاييس نقد العاطفة :

نوع العاطفة ، فردية - جماعية - الصادقة والكاذبة ، قوة العاطفة وعمقها ، استمرارها في أجزاء القصيدة ، أثر العاطفة على الأسلوب والخيال .


فنون الأدب الأخرى :

أما بقية فنون الأدب فقد درس النقد مكوناتها وعناصرها الفنية، فالمقال والخطبة ، لكل منهما مقدمة وعرض وخاتمة وشروط كل ركن منها ... والقصة لما لها من عناصر فنية : الحكاية ، الأحداث ، الشخصيات ، العقدة ، الحل ، المغزى ، والمسرحية - بما فيها : من الأحداث والحوار والحركة المسرحية ، والبداية والنهاية فهناك تبعاً لذلك ناقد قصص ، وناقد مسرحي .


ثانيا: الوظيفة العملية :

ونعني بالوظيفة العملية فائدة النقد الأدبي في خدمة كل من : الأديب ، القارئ ، والحياة الأدبية .

1- خدمة النقد للأديب :

* يقدم النقد خدمات جليلة للأديب منها :
أ - دراسة أدبه ، وإبراز نواحي القوة والضعف فيه .
ب- تصحيح مساره الأدبي .
ج - إسداء النصح والتوجيه الموضوعي له .
د - رعاية موهبته الأدبية وتنميتها .
* ولهذا نعرف سبب شكوي بعض الأدباء من تجاهل النقاد لهم ، وعدم الاهتمام بإنتاجهم - حتي قال الخليل بن أحمد ( واضع علم العروض ) [ أنما أنتم - معشر الشعراء - تبع لي ، وأنا سكان السفينة ، إن قرظتكم ورضيت قولكم نفقتكم - راجع شعركم - وإلا كسدتم ] .


2- خدمة النقد للقارئ :

1 - ييسر للقارئ فهم النصوص ، وتقريبها له .
2 - التنبيه على الجيد والردئ في الأدب .
3 - يساعده على حسن الاختيار للجيد من النصوص الأدبية .
4 - تربية ملكة النقد والتذوق والحس الجمالي عند القراء .


ثالثا : خدمة النقد للحياة الأدبية :

1- الإسهام في رقي الحياة الأدبية ، وتوجيه دفة الحياة الأدبية .
2- تنمية الذوق الأدبي العام ، مما يؤدي إلي ارتفاع مكانة الأدب الجيد .
3- هو حارس أمين على الحياة الأدبية ، يتولي رعاية قيم الأمة وثوابتها ومبادئها . فيقف ضد الأدب الذي فيه تجاوز لهذه القيم ، سواء الدينية أو الأخلاقية ، أو الوطنية للأمة .
4- هو المعيار الذي تختار به شروط النصوص الأدبية المطلوبة .
5- تقويم الأعمال الأدبية عن الدراسات أو المسابقات .


نموذج تطبيقي لوظيفة النقد الفنية والجمالية :
قال أحمد شوقي في رثاء مصطفى كامل :




المشرقان عليك ... ينتحبـان قاصيهما في مأتـم والدانـي
دقات قلب المرء قائله .. لـه إن الحيـاة دقائـق وثــوان
فاحفظ لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسـان عمـر ثـان



عرفنا أن النقد الأدبي يتناول دراسة النص وتحليله وتقويمه ، من حيث عناصره الأربعة : المعني ، العاطفة ، الخيال ، الأسلوب ، وفي الأبيات السابقة نجد هذا كالآتي :
1) المعني : نلاحظ أن المعني :
أ - يتسم بالوضوح ، فلا يعجز القارئ عن إدراك ما يريده الشاعر .
ب- عمق المعني وقوته ، فقد استحث القراء إلي المبادرة للعمل والجد .
2) العاطفة :
أ - أعطت الأبيات صورة كبري للدنيا بأجمعها من مشرقها إلي مغربها ، وهي في حزن ومأتم - مشاركة وجدانية لهذا الحادث المؤلم .
ب- من الصور الجزئية :
- المشرقان ينتحبان : استعارة مكنية ، تجعل الشرق والغرب شخصين يبكيان بحرقة حزناً وتأثرأً بالفجيعة .
- دقات قلب المرء قائلة : استعارة مكنية ، تجعل الدقات شخصا يقول للإنسان إن الحياة دقائق وثوان .
- الذكر عمر ثان : تشبيه للذكر بعمر ثان للإنسان .
3) الأسلوب : نلاحظ :
أ - وضوح معاني المفردات - فليس فيها ما يحتاج لمعجم ، أو ما غمض على القارئ .
ب- سلامة اللغة ، وخلوها من الخلل .
ج- دقة استخدام الكلمات ، مثل : ( المشرقان ) تثنية للتغليب والشمول .
د - التناسق اللفظي في اختيار الكلمات مثل ( دقات ) فهي أدق من غيرها مثل ( نبضات ) لا تساقها مع ( قلب ، قائلة ، دقائق ) .
ومثل التناسق بين ( ثوان ، ثان ) .
ومن ذلك دقة استخدام ( قائلة ) بصيغة اسم الفاعل لدلالة على التجدد والاستمرار . وكذلك استعمال ( له ) وما توحي به من تأنيب النفس لصاحبها .



_________________



عدل سابقا من قبل عمر موسى في الإثنين ديسمبر 29, 2008 1:11 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 3:44 am

الفصاحة والبلاغة





القضية الأولى

١٠ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٨بقلم محمد أبو الفتوح غنيم

تكبير النصتصغير النصنص فقط

الحق أنني عندما بحثت في هذه القضية وجدت العلماء أجمعوا على معنى البلاغة ولكنهم اختلفوا في معنى الفصاحة واختلافهم راجع بعض الشيء لاختلافهم في قضية اللفظ والمعنى، فمنهم من يقول أن الفصاحة مختصة باللفظ والبلاغة مختصة بالمعنى، أي أن اللفظ يكون فصيحا ولا يقال عنه بليغا إلا إذا كان في جملة تبلغ المعنى المنشود فيصبح بليغا، فجعلوا الفرق بينهما أنه يقال للفظة فصيحة ولا يقال لها بليغة، بينما الكلام يقال عنه فصيح وبليغ، فالبلاغة على قولهم أعم وأشمل فكل بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغ، ومن أمثال من قال هذا، ابن سنان الخفاجي في كتابه سر الفصاحة، وأبو الفتح ضياء الدين الموصلي في كتابه المثل السائر، والسيد أحمد الهاشمي في جواهر البلاغة وغيرهم.

وقد رد الصفدي في كتابه نصر الثائر على المثل السائر على الموصلي في كتابه المثل السائر بقوله: "والذي أقوله أنا: هو أن بين البلاغة والفصاحة، عموما من وجه وخصوصا من وجه. بيان ذلك: أما عموم البلاغة، فلأنها تتناول الكلام الفصيح أعني الحسن المبين، وغير الفصيح أعني الغريب الوحشي. وعموم الفصاحة، فلأنها تتناول الألفاظ المركبة فقط، وخصوص الفصاحة، فلأنها لا تتناول إلا الألفاظ العذبة المستعملة فقط. فثبت أن بين البلاغة والفصاحة عموما من وجه، وخصوصا من وجه. ومثل هذا لا يتنبه له ابن الأثير".

وكذا فند هذا القول ورده الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز حيث بين أن الفصاحة لا تقتصر على الألفاظ بل هي في المعاني كذلك حيث يقول: "وهل تجدُ أحداً يقولُ: هذه اللفظةُ فصيحةٌ إلاَّ وهو يعتبرُ مكانَها منَ النظم وحسنَ مُلائمةِ معناها لمعنى جاراتِها وفضلَ مؤانَستها لأخواتها وهل قالوا: لفظةٌ متمكَّنةٌ ومقبولةٌ وفي خلافهِ: قلقةٌ ونابيةٌ ومستكرهةٌ إلا وغرضُهم أن يُعبروا بالتمكُّن عن حسنِ الاتفاقِ بينَ هذه وتلك من جهةِ معناهُما وبالقلقِ والنُبَّو عن سوء التلاؤم. وأنَّ الأولى لم تَلِقْ بالثانية في مَعناها وأن السابقَةَ لم تصلُحْ أن تكونَ لِفقاً للتالية في مُؤدَّاها، وهل تشكُّ إِذا فكرتَ في قولهِ تعالى: (وقِيلَ يَا أرْضُ ابْلَعي ماءَكِ ويا سَمَاءُ أَقْلِعِي وغَيضَ الماءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتَ عَلَى الجُودِيَّ وقِيلَ بُعْداً لِلقَوم الظَّالِمين).

فتجَلَّى لك منها الإِعجازُ وبَهَرك الذي تَرى وتَسمع ! أنك لم تَجدْ ما وجدتَ منَ المزيَّةِ الظاهرة والفضيلةِ القاهرة إلا لأمرٍ يرجعُ إلى ارتباطِ هذه الكلمِ بعضِها ببعضٍ وأن لم يعرضْ لها الحسنُ والشرفُ إلاّ مِنْ حيثُ لاقتِ الأولى بالثانية والثالثة بالرابعة وهكذا إلى أن تستقرِبَها إلى آخرِها وأنَّ الفضلَ تَنَاتَجَ ما بينها وحصلَ من مجموعها، إن شككتَ فتأملْ ! هل ترى لفظةً منها بحيثُ لو أُخذتْ من بين أخواتها وأُفردتْ لأَدَّتْ منَ الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها منَ الآية قُل: " ابلعي " واعتَبِرْها وحدَها من غيرِ أن تنظرَ إلى ما قبلها وإلى ما بعدَها وكذلك فاعتبرْ سائرَ ما يليها. وكيفَ بالشكَّ في ذلك ومعلومٌ أنَّ مبدأ العظمةِ في أن نُوديتِ الأرضُ ثم أُمرتُ ثم في أنْ كانَ النداءُ ب " يا " دُوْنَ " أيّ " نحوُ: يا أيتها الأرضُ. ثم إضافةُ الماءِ إلى الكافِ دونَ أن يقالَ: ابلعي الماءَ ثم أنْ أُتبعَ نداءُ الأرض وأمرُها بما هو من شأنها ونداءُ السماء وأمرُها كذلك بما يخصُّها. ثم أنْ قيلَ: وغيضَ الماءُ. فجاء الفعل على صيغة " فُعِلَ " الدالَّة على أنه لم يَغِضْ إلاّ بأمرِ آمرٍ وقدرةِ قادر.

ثم تأكيدُ ذلك وتقريره بقولهِ تعالى: (قُضِيَ الأمرُ). ثم ذكَر ما هو فائدةُ هذهِ الأمورِ وهو (استوتْ على الجوديَّ). ثم إضمارُ السفينةِ قبلَ الذكرِ كما هو شَرْطُ الفخامةِ والدَّلالةِ على عِظَمِ الشأن. ثم مقابلةُ " قيل " في الخاتمةِ ب " قيل " في الفاتحة. أَفَتَرى لشيءٍ من هذه الخصائصِ التي تملؤك بالإِعجازِ روعةً وتحضُرُك عندَ تصورِها هيبةٌ تحيطُ بالنفس من أقطارِها تعلقاً باللفظ من حيثُ هو صوتٌ مسموعٌ وحُرُوفٌ تَتوالى في النُّطق أم كلُّ ذلك لما بينَ معاني الألفاظ منَ الاتَّساق العجيب!!".

بهذا الكلام يجعل الجرجاني الفصاحة مشتملة على المعنى كذلك وهو ما قال به أكثر العلماء فأكثرهم على عدم التفريق بينهما، فلا يتصور أن الفظ بذاته فصيح وإلا لكان تركيب الجمل غير المفهومة فصيح، وهذا خطأ بين، ولو نظرنا إلى معنى الفصاحة في اللغة لوجدناها من الإفصاح والتبيين، ولو نظرنا إلى معنى البلاغة لوجدناها من تبليغ المعنى، ولا أرى تبليغ المعنى ممكنا بغير تببينه.

ولما رأيت أن العلماء أكثرهم على أن الفصاحة والبلاغة مترادفتان وأنهما يفيدان وضوح الألفاظ وسلاستها وتبليغها المعنى، لم تقر عيني بهذا القول على إطلاقه بل في ظني أن هناك فرق خفي، وهو أن البلاغة تكمن في اسلوب الكلام وطرحه، فالمعنى في الفصاحة والبلاغة موجود كما قال العلماء لكن الفارق في أن الفصاحة دون البلاغة من حيث الأسلوب فمن مقتضات البلاغة وضوحِ الدَّلالة وصوابِ الإِشارة وتصحيحِ الأقسام وحُسنِ التَّرتيب والنّظام والإِبداعِ في طريقةِ التَّشبيهِ والتَّمثيل والإجمالِ ثُمّ التفصيل ووضع الفصل والوصل موضعهما وتوفيه الحذف والتأكيد والتقديم والتأخير شرُوطهما وخاصة الإيجاز، فإنك لو ذكرت كلاما غير موجزا قد يكون فصيحا ولكنه لا يكون بليغا، بينما الفصاحة معنية أكثر باستقامة الكلام نحوا وصرفا وسلاسته وخلوه من التنافر والاستهجان مع صحة معناه.

يقول أبو القاسم الآمدي: "الفصاحة صنو للبلاغة، ووجهه من وجوهها" وقد عرف البلاغة على أنها "إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة كافية لا تبلغ الهذر الزائد على الحاجة ولا تنقص نقصانا يحول دون الغاية ". وكذا الهاشمي في جواهر البلاغة، قال بقول من قال أن الفصاحة مختصة باللفظ دون المعنى، وناقض نفسه عندما عرفها فقال: "هي عبارة عن الألفاظ البينة الظاهرة المتبادرة إلى الفهم، المأنوسة الاستعمال بين الكتاب والشعراء لمكان حسنها"، فقد جعلها مشتملة على معنى وكونها فصيحة من حيث أنها مفهومة، وهل يفهم من اللفظ إلا معنى؟!، ولكنه أحسن في وضعه شوطا بدونها لا يكون الكلام فصيحا ونضيف إليها -وإن كان في ثناياها- صواب معناه ووضوحه، يقول الهاشمي:
الفصاحة

(الفصاحة) في اللغة: بمعنى البيان والظهور، قالى تعالى: "وأخي هارون هو أفصح منّي لساناً"، ونضيف هنا ما قلناه من أن البيان إلا بمعنى.

وفي الإصلاح: عبارة عن الالفاظ الظاهرة المعنى، المألوفة الإستعمال عند العرب.

وهي تكون وصفاً للكلمة والكلام والمتكلم يقال: كلمة فصيحة، وكلام فصيح، ومتكلم فصيح.

فصاحة الكلمة

فصاحة الكلمة هي: خلوص الكلمة من الأمور التالية:

1. من تنافر الحروف، بأن لا تكون الكلمة ثقيلة على السمع، صعبة على اللسان، فنحو (هعخع): اسم بنت ترعاه الإبل، متنافر الحروف.

2. ومن غرابة الاستعمال، وهي كون الكلمة غير ظاهرة المعنى، ولا مألوفة الاستعمال عند العرب، حتى لا يفهم المراد منها، لاشتراك اللفظ، أو للإحتياج الى مراجعة القواميس، فنحو (مسرّج) و(تكأكأتم) غريب. قال الشاعر:

ومـقلةً وحاجـباً مـرجــّجا

وفــاحماً، ومــرسِناً مسرّجاً

وقال عيسى بن عمروا النحوي ـحين وقع من حماره واجتمع عليه الناس ـ (ما لكم تكأكأتم عليّ، كتكأكئكم على ذي جنة، إنفرقعوا عنّي).

3. ومن مخالفة القياس: بأن تكون الكلمة شاذة، على خلاف القانون الصرفي المستنبط من كلام العرب، فنحو (الاجلل) مخالف للقياس، والقياس (الأجل) بالإدغام.

قال أبو النجم:

الــحمد لله الـعلي الاجـلل

الواحـد الـفرد الـقديم الأول

4. ومن الكراهة في السمع، بأن تكون الكلمة وحشية، تمجّها الأسماع، كما تمجّ الأصوات المنكرة، نحو) الجرشى) بمعنى: النفس.

قال المتنبي:

مــبارك الاسم أغــرّ اللقبْ

كريم الجرشّى شريف النسبْ

والحاصل:

انه إذا كان في الكلمة شيء من هذه الأربعة، كانت غير فصيحة، فاللازم على الفصيح اجتناب هذه الأمور.

فصاحة الكلام

فصاحة الكلام هي: خلوص الكلام من الأمور التالية:

1. من عدم فصاحة بعض كلماته، فإذا اشتمل كلام على كلمة غير فصيحة ـ كما تقدّم ـ سقط الكلام عن الفصاحة.

2. ومن تنافر الكلمات المجتمعة، بأن يكون بين كلماته تنافراً، فتثقل على السمع، وتَعسر على النطق، نحو هذين البيتين:

وقـب رحـرب بـمكان قفــرُ

وليس قـربَ قـبر حـرب قـبرُ

وقال أبو تمّمام:

كـريم متى أمـدحه والـورى

معي وإذا ما لمته لمته وحدي

3. ومن ضعف التأليف: بأن يكون الكلام جارياً على خلاف قوانين النحو المستنبطة من كلام العرب، كوصل ضميرين وتقديم غير الاعرف نحو: (اعاضهاك) في قول المتنّبي:

خلت البلاد من الغزالة ليلهـا

فاعاضهاك الله كــي لا تحزنا

4. ومن التعقيد اللفظي، بأن تكون الكلمات مرتّبة على خلاف ترتيب المعاني. قال المتنبي:

جفختْ وهم لا يجفخون بها بهم

شيمٌ على الحسب الأغر دلائل

والأصل: جفخت بهم شيمٌ دلائل على الحسب الاغرّ وهم لا يجفخون بها.

5. ومن التعقيد المعنوي: بأن يكون التركيب خفي الدلالة على المعنى المراد بسبب ايراد اللوازم البعيدة، المحتاجة الى إعمال الذهن، حتى يفهم المقصود.

قال عباس بن الاحنف:

سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا

وتسكب عيناي الدموع لتجمدا

أردا بجمود العين: الفرح والسرور الموجب لعدم البكاء، وهذا خلاف المعنى المتفاهم.

6. ومن كثرة التكرار، بأن يكرر اللفظ الواحد، فيأتي به مرتين أو أزيد. قال الشاعر:

اني واسطار سطرن سطرا

لقائل يا نصر نصر نصرا

7. ومن تتابع الاضافات، بأن تتداخل الإضافات.

قال ابن بابك:

حمامة جرعى حومة الجندل اسجعي

فأنت بمــرأى مـن سعاد ومسمع

والحاصل:

انه إذا كان في الكلام أحد هذه الأمور السبعة كان غير فصيح.

فصاحة المتكلم

فصاحة المتكّلم عبارة: عن أن يكون المتكلم ذا ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود، بكلام فصيح، والملكة تحصل بطول ممارسة الكلام الفصيح، بأن يكون في بيئة عربية فصيحة، أو يمرّن نفسه بكلمات الفصحاء كثيراً، كل ذلك وللذوق مدخل عظيم.

البلاغة

(البلاغة) في اللغة‏: بمعنى الوصول والانتهاء، قال تعالى: (ولّما بلغ اشدَّه) أي وصل.

وفي الاصطلاح:

أ‌- أن يكون مطابقاً لمقتضى الحال، بأن يكون على طبق مستلزمات المقام، وحالات المخاطب، مثلاً لمقام الهول كلام، ولمقام الجد كلام، ومع السوقة كلام. ومع كلام الملوك كلام.. وهكذا.

ب‌- وأن يكون فصيحاً ـ على ما تقدم ـ

والبلاغة تقع وصفاً للكلام وللمتكلم، فيقال: كلام بليغ، ومتكلم بليغ، ولا يقال: كلمة بليغة.
بلاغة الكلام

(بلاغة الكلام) عبارة عن: أن يكون الكلام مطابقاً لما يقتضيه حال الخطاب، مع فصاحة الفاظ مفرداته ومركباته، فلو تكلم في حال الفرح مثل ما يتكلم في حال الحزن، أو العكس، أو تكلم في حال الفرح بكلام يتكلم به في هذه الحال لكن كانت الالفاظ غير فصيحة، لا يسمى الكلام بليغاً.

ثم إن الامر المقتضى للأتيان بالكلام على كيفية مّا، يسمى:

1. (مقاماً) باعتبار حلول الكلام فيه.

2. (حالاً) باعتبار حالة المخاطب أو المتكلم أو نحوهما.

والقاء الكلام على هذه الصورة التي اقتضاها الحال يسمى (مقتضى) فقولهم: (مقتضى الحال) أو (مقتضى المقام) بمعنى الكيفية التي اقتضاها الحال أو المقام. مثلاً: يقال عند كون الفاعل نكرة، حين يتطلب المقام التنكير: هذا الكلام مطابق لمقتضى الحال.

إذاً: فالحال والمقام شيء واحد، وانما الاختلاف بالاعتبار.
بلاغة المتكلم

(بلاغة المتكلم) عبارة عن: ملكة في النفس يقتدر بها صاحبها على تأليف كلام بليغ، بحيث يكون مطابقاً لمقتضى الحال، فصيحاً.

وقد عرّف (ابن المعتز) الكلام البليغ بكلام بليغ، فقال: (ابلغ الكلام: ما حسن ايجاده، وقلّ مجازه، وكثر اعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه).


_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 4:12 am






بين الفصاحة والبلاغة

الفصاحة : تطلق في اللغة على معان كثيرة , منها البيان والظهور , قال الله تعالى :
" وأخي هارون هو أفصح مني لسانا "( 1 )
أي أبين مني منطقا , وأطهر مني قولا .
ويقال : أفصح الصبي في منطقه , إذا أبان وظهر كلامه .
وقالت العرب : أفصح الصبح , إذا أضاء .
وأفصح الأعجمي : إذا أبان بعد أن لم يكن يفصِح ويُبين .
وفصح اللسان : إذا عبّر عما في نفسه , وأظهره على وجه الصواب دون الخطأ .
والفصاحة : في اصطلاح أهل المعاني هي الألفاظ البيّنة الظاهرة , المتبادرة إلى الفهم , والمأنوسة الاستعمال بين الكتاب والشعراء .
وتقع وصفا للكلمة , والكلام والمتكلم ( 2 )
والبلاغة في اللغة هي الوصول والانتهاء .
يقال : بلغ فلان مراده , إذا وصل إليه . ومبلغ الشيء : منتهاه .
وبلغ الرجل بلاغة فهو بليغ , إذا أحسن التعبير عمّا في نفسه .
والبلاغة تقع صفة للكلام والمتكلم .
البلاغة هي الفصاحة
كثيرون من العلماء لم يفرقوا بين معنى البلاغة والفصاحة . وفي رأيهم أيهما تدلان على مقصود واحد . فالإبلاغ عمّا في النفس هو الإفصاح , وأفصح عمّا في نفسه : أعرب عنها وأناب , وهكذا ترجع الكلمتان إلى معنى واحد من قبيل (( اتفاق المعاني على اختلاف الأصول والمباني )) ( 3 ) .
قال أبو هلال العسكري : البلاغة من قولهم :" إذا بلغت الغاية إذا انتهيت إليها , وبلّغتها غيري . ومبلغ الشيء : منتهاه . والمبالغة في الشيء: الانتهاء إلى غايته , فسميّت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه . وقال مشيرا إلى معنى واحد , وإن اختلف أصلاهما , لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له ". ( 4 )
وفي صحاح الجوهري (5) :أن البلاغة هي الفصاحة ( 6 )



_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 4:51 am





أثر الإسلام في النقد الأدبي

بدا واضحًا أن الأدب كان أحد مجالات الحياة التي تفيأت ظل الإسلام الوارف واهتدت بهديه ، واستنارت بنوره ، ولم يعد المسلم بعامة والأديب بخاصة يتكلم بما شاء وكيف شاء ، وإنما أدرك أنه محاسب على ما يقول إن خيرًا فخير ، وإن شرًّا فشر .
وبيَّن الله تعالى أنَّه قد جعل على كل إنسان رقيبًا عتيدًا يسجل عليه كل لفظةٍ يتلفظ بها ) ما يلفظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيدٌ ( .
كما بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن حصائد الألسنة هي أكثر أسباب دخول النار .
ووصل الأمر في كراهية القول الباطل أن يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ) رواه مسلم

وقد شعر الأدباء أن تلك الأوامر والتوجيهات تعنيهم أكثر من غيرهم ، فهم الذين آتاهم الله القدرة والموهبة على إبداع الكلام البليغ المؤثر ، ومن هنا أصبحت الكلمة الأدبية ذات مسؤولية بالغة ، ونتج عن ذلك مقياس نقدي واضح المعالم ، يعين الأديب على السير في طريق الإبداع ، والعطاء الأدبي الرائع .

الجوانب التي يتجلى أثر الإسلام في النقد
توظيف الأدب بعامة ، والشعر بخاصة ؛ لخدمة قيم الإسلام ومبادئه ، والدفاع عن حمى الإسلام ، فحين أكثر كفار قريش من إيذاء المسلمين بأقوالهم وأشعارهم أذن الرسول J لشعراء المسلمين بأن يردوا عليهم ، ودعا حسان بن ثابت إلى هجائهم قائلاً له : ( أُهجُهُم ، وجبريلُ معك ) .
وكان تأثير توظيف الشعر في الدفاع عن المسلمين بالغًا حتى إن رسول الله J وصفه بأنه ( أشدُّ على الكفار من نضح النبل ) . رواه أحمد .
التأكيد على قول الحق ، والصدق في التعبير ، فقد رُوي عن النبي قوله : ( أصدقُ كلمة قالها شاعرٌ كلمة لبيد : ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ .
وقد مدح عمر بن الخطاب d زهير بن أبي سلمى بأنه ( كان لا يمدح الرجل إلا بما فيه ) .
ذم التكلف والتقعُّر : والتوجيه النبوي عام يشمل الأدباء وغيرهم ، فقد كره الرسول Jالثرثارين والمتشدقين والمتفيهقين . وبيَّن أنَّهم أبعد الناس منه مجلسًا يوم القيامة .
ووصف عمر بن الخطاب d زهيرًا بأنه ( لا يُعاظِلُ بين الكلام ولا يتتبع حُوشِيَّه ) وكان ذلك مما عظَّمه لدى عمر .
منع ما فيه تعدٍّ على قيم الإسلام أو محاربة ٍ لله ورسوله والمسلمين : ومن ذلك شعر الكفار في ذم المسلمين ، ومحاربتهم ، والغزل الذي يشتمل على فحش ، أو تهييج إلى محرم ، كالدعوة إلى الخمر ونحوها من المحرمات ، أو هجاء أحد المسلمين .
فقد منع النبي Jإنشاد الشعر الذي قاله المشركون في رثاء قتلاهم في (بدر ) كما منع شعر اليهود وبخاصة شعر كعب بن الأشرف ، وكانوا ينشئون الأشعار في هجاء الرسول J

وسجن عمر بن الخطاب d الحطيئة لهجائه الزبرقان بن بدرٍ d ولم يخرجه من السجن إلا بعد أن عاهده على الكف عن أعراض المسلمين .
وحين بلغ عمر بن الخطاب d قول واليه على ( ميسان ) النعمان بن عدي d :
ألا هل أتى الحسناء أن حليلها بميسان يُسقى من زُجاجٍ وحنتمِ لعل أمـير المؤمنين يسـوؤه تنادُمُنـا في الجوسقِ المُتَـهدِّمِ
قال عمر : وايم الله إنه ليسوؤني . وقد عزلتك .
فقال النعمان : والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قطُّ ، وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني .
قال عمر : أظن ذلك ، ولكن والله لا تعمل لي عملاً أبدًا .
وأشد من ذلك ما فعله عثمان بن عفان d حين أمر بسجن ضابئ بن الحارث حتى الموت لهجائه بعض المسلمين هجاءً مقذعًا .
وهكذا ظل أثر الإسلام في النقد الأدبي واضحًا وجليًا ، وأضيف إلى النقد مقياس إسلامي أخذه النقد الأدبي والتزم به ، طول تاريخنا النقدي .
والتزم بهذا المقياس من هُدِيَ إلى الخير والبر ، وأعرض عنه من حُرم التوفيق



_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 4:57 am







الأسلوب العلمي والأسلوب الأدبي
ما هو الأسلوب ؟
الطريقة التي يسلكها الكاتب لتوضيح ما يريد من معانٍ ، ونقل ما يريد من أفكار .
ويتنوع الأسلوب بحسب مضمونه العلمي أو الأدبي .
( تُعدُّ صرخة الحياة التي يطلقها المولود عند ولادته ، من الحركات غير الإدارية التي تحدثُ للوليد ، بسبب التغيُّرات العصبية الطارئة عليه بعد الولادة ، وربما كان ذلك الانعكاس العصبيُّ ، بسبب تأثير الهواء الخارجيِّ في الجلد ، مما ينبِّهُ التنفس في الجملة العصبية ، وربما حدث بكاء الوليد بسبب انقطاع الدوران الجنيني المشيمي ، مما يستدعي تراكم حمض الفحم في الدم ، وتنبُّه مراكز التنفس فتتقلَّصُ عضلات الصدر ، ويحدث الشهيق ، ويتبعه الزفير ) .
ماذا يسمى الأسلوب المستخدم في الفقرة السابقة ؟
الأسلوب العلمي .
ما أبرز صفات أو خصائص أو سمات الأسلوب العلمي ؟
الوضوح والسهولة .
دقة الكلمات .
عدم المبالغة .
اختفاء شخصية الكاتب .
اشتماله على مصطلحات علمية أو إحصاءات .
تذكر فيه الحقائق العلمية المجردة .
يهدف إلى نقل المعلومات

قال الشاعر ابن الرومي :
لِمَا تُؤذِنُ الدنيا به من صُرُوفِها يكون بُكاءُ الطفل ساعةَ يُولدُ
و إلا فما يُبكيهِ منها ، وإنها لأوْسَعُ مِمَّا كان فيه وأرغدُ
إذا أبصرَ الدنيا استَهَلَّ كأنَّهُ بما سوف يلقى من أذاها يُهَدَّدُ
ماذا يسمى الأسلوب في الأبيات السابقة ؟
الأسلوب الأدبي .
ما أبرز صفات أو خصائص أو سمات الأسلوب الأدبي ؟
يتصف بالجمال .
واختيار الألفاظ الموحية .
يشتمل على الصور الخيالية .
يرتبط بذات الأديب ونفسيته .
يهدف إلى الإمتاع و الفائدة .

عناصر الأسلوب
نوع الأسلوب الخيال العاطفة المصطلحات الكلمات
والجمل الهدف شخصية
الكاتب
الأسلوب العلمي لا يوجد لا توجد
توجد سهلة
واضحة نقل
المعلومات لا توجد
الأسلوب الأدبي يوجد توجد لا توجد جميلة
وموحية الإمتاع
والمعرفة توجد


هل يعني هذا الفصل بين الأسلوبين عدم اشتراكهما في بعض الصفات ؟
لا ، إذا إن هناك أسلوبًا آخر يُسمى الأسلوب العلميّ الأدبي .
ما هدف هذا الأسلوب العلميّ الأدبي ؟
يهدف هذا الأسلوب العلميّ الأدبي إلى عرض الحقائق العلمية بأسلوب أدبي جميل .
ولكن هذا الأسلوب محدود الانتشار قياسًا بكل من الأسلوبين العلميّ والأدبي .
مثال للأسلوب العلمي الأدبي للدكتور خالص جلبي عن وظيفة الكبد في الجسم :
( يقوم الكبد كسدٍّ كبيرٍ أمام نفوذ أيِّ سُمٍّ إلى البدن ، ما لم يتغلَّب على الخلايا الكبدية ويدمِّرها وبذلك تكون خلايا الكبد الحارس الأمين للبدن ، فلا يسمحُ بأن يتأذى حتى يكون العطبُ قد استولى على خلايا الكبد بالذات ، فهل بعد هذا الفداء والتضحيةِ من تضحيةٍ ؟! إن من جُملةِ طرائقِ الكبد في التَّخلُّص من السُّمومِ ، ما هو بسيط في ضرب الحصار حوله ، او إتلافه وإيثاقه ، كما في إيثاق المجرمين ، وعمليةُ الإيثاق هنا هي المعروفة باتِّحاد السُّمِّ مع حَمْضِ الكبريت أو حمض الغلوكورنيك ، وبهذه الطريقة يمكن نقلُ هذه المادة السَّامة بأمان من خلال المصرفِ العامِّ أي : القناة الصَّفراوية ، حيث تُطرَحُ في الأمعاء مرة ً أخرى لتُلقى خارج الجسم ) .



_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 7:59 am

نقد الفنون الأدبية
أولا : نقد الشعر


nالشعر وأنواعه :
nلشعر عند الأمم أنواع مختلفة هي :
1.الشعر التعليمي .
2.الشعر القصصي ( الملحمي ) .
3.الشعر التمثيلي .
4.الشعر الغنائي الوجداني
[right]n[b]ما المقصود به :

nهو الشعر الذي تضمن عرض علم من العلوم .
nبم يتميز؟
nبخلوه من عنصري العاطفة والخيال .
nماذا يسمى عند العرب ؟
nالنظم .
nوقد ازدهر هذا النوع من الشعر في تراثنا العربي ، حتى ليمكن القول بأن أكثر قواعد العلوم قد صيغت بأسلوب شعري .
nما هدفه ؟
nيسهل معه حفظ العلوم ، وضبط أقسامها وأنواعها .
nفهنالك منظومات مشهورة في الفقه وأصوله ، والعقيدة ، والنحو والصرف ، بل تعدى الشعر التعليمي ذلك إلى نظم العلوم التطبيقية كالفلك والكيمياء .

الشعر الملحمي
[right]nما المقصود به ؟
nهو الشعر الذي نظمت به الملاحم الأسطورية الطويلة .
nوقد عرفت عدد من الشعوب الشعر الملحمي .
nفعند اليونان ملحمتان هما : ( الإلياذة ) و ( الأوديسة )
n للشاعر اليوناني ( هوميروس ) .
nوالحق أنهما لعدد كبير من الشعراء ، وأن ( هوميروس ) هو الذي جمع تلك الأشعار ، حيث كان ينشدها في جولاته على المدن اليونانية .
nهل يوجد في أدبنا العربي القديم ملاحم شعرية ؟
nلا .
[right]nلماذا لا يوجد في أدبنا العربي القديم ملاحم شعرية ؟
1.لأن الوزن الشعري في الشعر العربي أكثر انضباطًا ، ولذا فإن تلك الملاحم هي بالنثر أشبه منها بالشعر .
2.أن ميل العرب إلى الإيجاز ، يحول دون قبولهم الإطالة الشديدة التي تقتضيها تلك الملاحم
nهل يوجد في أدبنا العربي الحديث ملاحم شعرية ؟
nتوجد في العصر الحديث محاولات من بعض الشعراء ، مثل : ملحمة ( عيد الرياض )
n لبولس سلامة التي بلغت أبياتها سبعة آلاف بيت .
nموضوعها بطولات الملك عبد العزيز في أثناء توحيد المملكة .
nو ( الإلياذة الإسلامية ) لأحمد محرم .
nوموضوعها حول سيرة الرسول Jوجهاده وصحابته الكرام رضوان الله عليه

الشعر التمثيلي
[right]nما المقصود به ؟
nهو الشعر الذي يستعمل في الحوار المسرحي بدلاً من النثر .
nعرفه قديمًا اليونان والرومان ، ثم ظهر في الآداب الأوربية في القرن التاسع عشر وما بعده .
nمن أول من كتب المسرحية الشعرية في الأدب العربي ؟
nأحمد شوقي . من مسرحياته التي ألفها :
n( مصرع كليوباترا ) و ( مجنون ليلى ) و ( عنترة ) .
nوكان أسلوب شوقي أسلوبًا أدبيًا راقيًا ، لكن نجاحه في هذا اللون من المسرحيات ، لا يقف بإزاء نجاحه وتفوقه في شعره الوجداني الذي أهَّله لإمارة الشعر .
nوممن برز في ميدان الشعر التمثيلي : عزيز أباظة ، الذي ألف عددًا من المسرحيات الشعرية استمدَّ موضوعها من التاريخ الإسلامي منها : ( العباسة ) و ( عبد الرحمن الناصر ) ، و ( غروب الأندلس ) ، و مسرحية اجتماعية واحدة هي : ( أوراق الخريف )
nويبدو تأثر عزيز أباظة بشوقي واضحًا في اختيار الموضوعات ، وفي أسلوب العرض أيضًا
الشعر الغنائي الوجداني

[right]nما المقصود به ؟
nهو الشعر الذي يعبر به الشاعر عن عواطفه الذاتية وأحاسيس وجدانه .
nوالشعر الغنائي هو الاتجاه السائد في الشعر العربي كله ، فهو بمنزلة النهر الكبير ، والأنواع الأخرى منه لا تمثل إلا جدولاً صغيرًا .
nلماذا كان الشعر الغنائي هو الاتجاه السائد في الشعر العربي ؟
nلأن الشعر التعليمي ليس إلا نظمًا فقط ، والشعر الملحمي والتمثيلي يعتمدان الإطالة إلى الحد الذي يجعلهما غير مقبولين في الذائقة العربية .
nوالشعر العربي قادر على وصف أدق الأحوال النفسية للشاعر الذي يخلص في إبداعه وتهذيبه والعناية بشأنه .، فيقدم لنا نصًا أدبيًا مؤثرًا ، نجده في كثير من الأحيان يعبِّر بصدق وجلاء عما نريد التعبير عنه .
nوقد برع كبار الشعراء العرب في الوصول إلى هذا المستوى التأثيري الرائع .
nوقد رأيت نماذج رائعة للشعر الوجداني في أغراضه المختلفة مثل : المديح ، والفخر ، والرثاء ، والغزل ، والوصف إلى غير ذلك من الأغراض التي صورت الشاعر العربي أصدق تصوير في : فرحه ، وحزنه ، وحبه ، وغضبه ، وتعبيره عن مشاعره التي يشعر بها نحو الحياة والناس .

_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 8:32 am





تاريخ النقد الأدبي أولاً : النقد الأدبي القديم
1ـ النقد الأدبي في مرحلة النشأة والتطوير .
متى بدأت هذه المرحلة ؟ ومتى انتهت ؟
بدأت في العصر الجاهلي . و انتهت في القرن الثالث الهجري تقريبًا .
بم تمتاز هذه المرحلة ؟
تمتاز بأن النقد الأدبي لم يختص بكتب نقدية وإنما ظلت مباحثه وقضاياه متفرقة في كتب الأدب والأخبار .
كانت مجالس الخلفاء والأمراء والعلماء هي البيئة التي نما فيها النقد وازدهر

من النماذج النقدية في هذه المرحلة :
أ ـ ما كان بين النابغة الذبياني وحسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ فقد كان العرب تضرب للنابغة قبة حمراء من أُدمُ في سوق عكاظ ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها ، فيحكم بينهم ، فيقبلون حكمه في تفضيل شعر أو شاعر .
أ ـ جاء إليه حسان بن ثابت فأنشده فكان مما قاله :
لنا الجفنات الغُرُّ يلمعنَ في الضحى وأسيافنا يقطُرنَ من نجدةٍ دما
فقال النابغة : لولا أن أبا بصير ـ يعني الأعشى ـ أنشدني آنفًا لقلت إنك أشعر الجن والأنس ولكنك شاعر .
فقال حسان : أنا ـ والله ـ أشعر منك ومن أبيك .
فقال النابغة : قلت : ( لنا الجفنات ) فأقللت جفانك ، ولو قلت ( الجفان ) لكان أبلغ .
وقلت ( أسيافنا ) ولو قلت : ( سيوفنا ) لكان أبلغ .
وقلت : ( يقطرن ) ولو قلت : ( يسِلنَ ) لكان أبلغ .
وقلت : ( يلمعن ) ولو قلت ( يبرقن ) لكان أبلغ .
وقلت : ( ( بالضحى ) ولو قلت : ( بالدُّجى ) لكان أمدح ؛ لأن الضيف بالليل أكثر .

ثم قال النابغة : يا بن أخي . إنك لا تحسن أن تقول مثل قولي :
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ .
فالنابغة وهو الناقد البارع في نقده ، نراه يركز في نقده على ملاحظة المفردات ومدى ملاءمتها للمعنى الذي يريده حسان ، ومدى نجاح الشاعر في اختيار الكلمة المناسبة اختيارًا صحيحًا ، يسهم في قوة المعنى وتأثيره في نفس السامع .
ب ـ مَدَحَ الشاعرُ الأموي جريرٌ الخليفة عبد الملك بن مروان فقال :
هذا ابن عمِّي في دمشق خليفةٌ لو شئتُ ساقكمُ إليَّ قطينا .
فلما سمعه عبد الملك قال : ما زاد على أن جعلني شرطيًا ، والله لو قال : ( لو شاء ) لسقتهم إليه قطينا .
والبيت السابق قد خاطب فيه الشاعر خصميه الألدَّين : الفرزدق ، الأخطل ، لكنه أخطأ حين جعل الخليفة بمنزلة الشرطي له ، يأمره بسوق هؤلاء فيفعل ، وهو مقام لا يتفق ومكانة الخليفة ، ومنزلته . ولو أحدث تغييرًا بجعل كلمة ( شاء ) بدلاً من ( شئتُ ) لكافأه الخليفة بإحضار خصومه الشعراء بين يديه .

ج ـ ليلى الأخيلية تمدح الحجاج :
إذا نزل الحجاج أرضًا مريـضةً تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الدَّاء العُضال الذي بها غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها
فيأخذ عليها الحجاج قولها : ( غلام ) ويرى أنها لو قالت : ( همامٌ ) لكان أبلغ ، لما في كلمة ( غلام ) من إيحاء بالجهل والطيش ، وقلة الخبرة والتجربة في الحياة .

2ـ النقد الأدبي في مرحلة الازدهار :
بم تمتاز هذه المرحلة ؟
ظهرت في هذه المرحلة مؤلفات نقدية متخصصة كوَّنت المكتبة النقدية في تراثنا العربي .
ما أهم المؤلفات النقدية في هذه المرحلة ؟
( عيار الشعر ) لابن طباطبا .
( الموازنة بين الطائيين ) للآمدي .
( الوساطة بين المتنبي وخصومه ) للقاضي الجرجاني .
( كتاب الصناعتين ) لأبي هلال العسكري .
( العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده ) لابن رشيق القيرواني .
( المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ) لابن الأثير
ما أبرز القضايا النقدية التي تناولتها الكتب السابقة ؟
قضية اللفظ والمعنى .
قضية وحدة القصيدة .
قضية السرقات الشعرية .
أولاً : قضية اللفظ والمعنى :
تعدُّ هذه القضية من أسبق القضايا النقدية التي نوقشت .
ما أجه الاتفاق والخلاف بين النُّقاد في هذه القضية ( اللفظ والمعنى ) ؟
النقاد جميعهم يتفقون على أن المعنى واللفظ كليهما عنصران رئيسان لا يقوم العمل الأدبي إلا بهما معًا .
أما الخلاف فهو حول أفضلية أحدهما على الآخر .
قضية اللفظ والمعنى

ونقسم النقاد حول أفضلية اللفظ أو المعنى إلى ثلاثة أقسام :
أنصار اللفظ :
يرون أن الأدب هو الأسلوب ، وأنا الأدباء قد تميزوا عن غيرهم بما وهبهم الله تعالى من حسن صياغة المعاني ، وإبرازها في قوالب زاهية جميلة .
أنصار المعنى :
يرون أن المعنى هو العنصر الأهم ، وهو الذي من أجله أنشأ الأديب أدبه ، وأن هناك معاني نادرة رائعة لا تجدها إلا في أدب المبدعين البارزين .
فريق الاعتدال في قضية اللفظ و المعنى :
يرى ضرورة الاعتدال في هذه القضية ، بما يحقق التوازن الفني في عمله كما أكَّد أن العلاقة بين اللفظ والمعنى كالعلاقة بين الروح والجسم ، يضعف بضعفه ويقوى بقوته .

قضية وحدة القصيدة

ما المراد بوحدة القصيدة ؟
هو ترابط أجزائها ، واتساقها حتى تبدو في صورة وحدة واحدة متناسقة .
مع أن الموضوعات تتعدد في القصيدة العربية ، لاحظ النقاد وجود تناسب في أسلوب عرض هذه الموضوعات ، وترتيبها على نحو تتجلى فيه وحدة فنية خاصة .
نادى عدد من النقاد بضرورة وحدة القصيدة فنيًا ، بأن يُحكِم الشاعر بناءها الفني إلى الدرجة التي إذا قُدِّم فيها بيت على بيت دخل الخلل القصيدة .
وأكَّدَ الحاتمي هذه القضية بقوله : ( فإن القصيدة مثل خلق الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض ، فمتى انفصل واحد عن الآخر ، أو باينه في صحة التركيب غادر الجسم عاهة تتخوَّن محاسنه ، وتُعفِّي معالم جماله ) .

قضية السرقات الشعرية

عرف النقاد العرب أن الشعراء يأخذ بعضهم من بعض ، وأن ذلك أمر قلَّ أن يسلم منه وكان الشاعر العربي رغبة منه في نفي هذا الأمر عنه يعتدُّ بغناه عن الأخذ من الشعراء . يقول طرفة بن العبد :
ولا أُغِيرُ على الأشعار أسرقها عنها غَنيتُ وشرُّ الناس من سرقا
تتلخص قضية السرقات فيما يلي :
السرقات في المعاني المشتركة : وهي ما يتساوى فيه الشعراء .
هل يحكم بالسرقة في هذا النوع ؟ ولماذا ؟
لا يحكم بالسرقة فيه ؛ لأنه متاح للجميع ، فإذا وصف أحدهم الممدوح بأنه اسد فلا يقتضي ذلك أنه نقل هذا المعنى من غيره ، فهو معنى بسيط لا يختص به أحد بعينه .
ومثلوا لذلك أيضًا بقول الشاعر :
عفتِ الديار وما عفتْ آثارُهُنَّ من القلوب ِ
فالبيت السابق يشتمل على معنى متداول بين الشعراء ، وهو الإخبار بأن ديار أحبَّته قد زالت معالمها وانمحت ، ولكنها لم تزل عن قلبه وشعوره .

السرقات في المعاني البديعة المخترعة :
هل يحكم بالسرقة في هذا النوع ؟
نعم يحكم بالسرقة في هذا النوع ، ومن ذلك قول أبي تمام يمدح المعتصم :
لا تُنكروا ضربِي له من دُونهُ مثلاً شرودًا في النَّدى والبَاسِ فالله قد ضرب الأقلَّ لِـنُورِه مثلاً من المشـكاةِ و النبراسِ
لقد وُفِّقَ أبو تمام إلى استحضار هذا المعنى الرائع وهو : أن الخليفة لا يدانيه أحد من الناس في فضله ومكانته ؛ ولذا اضطر الشاعر أنْ يشبهه بمن هو أقل منه ، كما أن نور الله ـ عز وجل ـ عظيم جليل بما لا يحيط به الوصف . ولكن من أجل تقريب الأمر على الخلق شبَّه الله تعالى نوره بالمشكاة التي فيها مصباح .
فمن أتى بعد أبي تمام بهذا المعنى البديع أو بجزء من غير أن يطبعه بطابعه الخاص فإنه يكون سارقًا له .
أن يأخذ الشاعر المعنى وينقله إلى غرض آخر :
فإذا وجد معنى لطيفًا في الغزل استعمله في المديح ، وإن وجد المعنى في النثر فجعله شعرًا كان أخفى وأحسن ، ومتى أخذ الشاعر المعنى وزاد عليه ، وتمَّمه ، وأخرجه بصورة ألطف كان الأخذ حسنًا لا يُذمُّ صاحبه ، وكان أحق الناس به . ومما أخذه الشاعر فغيَّره وزاد عليه قول سَلْم الخاسر :
من راقب الناس مات غمًّا وفاز باللَّذة الجسُورُ .
أخذه من بيت أستاذه بشار بن برد الذي يقول فيه :
من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللَّهجُ .
فاشتهر بيت سَلْمٍ وتناقله الناس ، ولم يشتهر بيت بشار مع أن المعنى له .



_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 8:38 am






النقد الأدبي تعريفه

الفرق بينه وبين البلاغة

عرف النقد لغة واصطلاحًا .
النقد لغة :
تمييز الدراهم وغيرها ، والكشف عن صحيحها وزائفها .

اصطلاحًا :
دراسة الأعمال الأدبية ، والكشف عما فيها من جوانب القوة أو الضعف ، والجمال أو القبح ، ثم إصدار الأحكام المناسبة عليها

الفرق بين البلاغة والنقد

1ـ البلاغة تركز على دراسة الكلمة المفردة ، والجملة ، أو الجمل ،
كما تعنى بالصياغة الفنية ، وسلامة الجملة في ذاتها من العيوب ، ومطابقتها لمقتضى الحال .
أما النقد فيتجه إلى دراسة النص الأدبي كله دراسة كاملة ،
مع الوقوف على المؤثرات العامة أو الخاصة فيه وتسخير البلاغة لتكون أداة من أدوات النقد ، ولذا فإن النقد أعمُّ من البلاغة .
2ـ البلاغة تتضمن علومًا جمالية يستفيد منها الأديب قبل إنشاء النص .
أما النقد فينظر إلى النص بعد إنشائه ، ويقوم بتحليله ، وتفسيره ، والحكم عليه بالجودة والرداءة .
بالإضافة إلى تضمنه أصولاً وقواعد نقدية ، يستفيد منها الأديب قبل إنشائه النص .
3ـ تحددت موضوعات علم البلاغة في علوم ثلاثة هي : المعاني ، البيان ، البديع
أما النقد فمازالت موضوعاته تجمع بين روح العلم وروح الفن .
فمع أن له قواعده وأصوله التي تتسم بكثير من المرونة ، كما أنه يخضع إلى حد كبير لعامل الذوق ، فهو في منزلة الفن والعلم .

وظيفة النقد الأدبي

أولاً : الوظيفة الفنية الجمالية :
وتختص بالنص الأدبي ذاته : شكلاً ومضمونًا .
حيث يقوم النقد بتفسير النص الأدبي وتحليله ، والحكم عليه بالجودة والرداءة .
فمما يدرسه النقد في مجال الشكل :
لغة النص .
ومفرداته .
وأسلوبه .
وصوره الفنية .
وجرس الألفاظ وإيقاعها .

ومما يدرسه النقد في مجال المضمون :
أفكار النص وما فيها من الجدة والابتكار .
ومعانيه الكلية والجزئية .
ورؤية الأديب الخاصة .
وتمثُّله للقيم والمبادئ .
والعلاقة بين الشكل والمضمون .
ويدخل في ذلك دراسة حياة الأديب ، وبيئته ، ومعتقده ؛ لأن هذه الأمور غالبًا ما تترك بصمتها على النص الأدبي ، وتسمه بسمتها الخاصة .
والنقد الأدبي يدرس النص الأدبي شكلاً ومضمونًا ، في إطار أصول نقدية معتبرة ، تلائم كل لون من ألوان الأدب فإذا درس الشعر درسه من خلال معانيه ، وعاطفته ، وأخيلته ، وأسلوبه ، وموسيقاه الشعرية .
وإذا تناول القصة ، درسها من خلال مكوناتها الأساسية كالحوادث ، والشخصيات ، والحوار ، والزمان ، والمكان ، والحبكة الفنية ، وما تتضمنه من عناصر خاصة بها : كالبداية والصراع ، والعقدة ، والحل ، والنهاية .
ويتخصص الناقد بلون أدبي واحد ، يتوافر على دراسته ، ويجيد التعامل مع قضاياه الفنية .
فيكون هناك ناقد قصصي ، وآخر في فن الشعر ، وآخر في المسرحية ...
الوظيفة العمليَّة :
وتتجلى هذه الوظيفة في خدمة كل من الأديب ، والقارئ ، والحياة الأدبية .
أ ) الأديب : النقد يقدم خدمة جليلة للأديب ، حيث يقوم بدراسة أدبه ، وإبراز جوانب القوة والضعف فيه .
علل شكوى بعض الأدباء من تجاهل النقاد لهم ؟
لأنهم يساعدونهم على اشتهار أدبهم وانتشاره .
ب ) القارئ : النقد الأدبي يفيد القارئ فائدة كبرى :بتيسير فهمه للنص وتقريبه له ، والتنبيه على الجيد فيه والرديء ، ، ويساعده على حسن الاختيار .

ج ) الحياة الأدبية : النقد يمسك بدفة الحياة الأدبية ، ويسهم في رُقِيِّها ، وارتفاع مستوى الإبداع ، وتنمية الذوق العام .
كما أن النقد حارس أمين على الحياة الأدبية .
وضح مسؤولية النقد الأدبي في رعاية قيم الأمة ومبادئها في مجال الحياة الأدبية ؟
هو الحارس أمين على الحياة الأدبية من خلال منع اتخاذ الأدب وسيلة لأمور فيها تعدٍّ وتجاوزات على عقيدة الأمة وأخلاقها .
ماذا يحدث للحياة الأدبية إذا ضعف النقد الأدبي ؟
ينعكس ذلك على الحياة الأدبية فتضعف مستويات الإجادة ، وتكثر النصوص الرديئة ، وتصبح لها الصدارة .




_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 8:47 am






قراءة نقدية لقصيدة معاصرة

قال علي بن محمد صقيل :
يا أيُّها العـربيُّ في زمَـنِ الرَّحِيــلْ لا تَسْـقِهِ مـاءَ التَّـأَوُّهِ والعَويـلْ
هُوَ مِـنْ جَبـينِ الشَّـمسِ مـولودٌ ومسْكُوبٌ علـى الرَّمـلِ الأصيـلْ
مُنـذُ الـوِلادةِ جــاء وهَّـاجًـا ومسْكُونًـا بـرَنَّــاتِ الصَّليـلْ
ومِنِ المُخاضِ الصَّعبِ من طَلقِ الظَّهيـ ـرةِ هَـبَّ مجتازًا دروبَ المستَحيـلْ
هو جَـدُّكَ العَـربيُّ هـذا القـادِمُ الآتــي المعَّبــأ بالصَّـهيــلْ
صَحوًا أتـى مثلَ انبـلاجِ الصُّبـحِ مشــدودًا إلى المجــد الأثيــلْ
كـم سـارَ مخترقًـا بِحـارَ الهـم مــوَّارًا إلى الحُلُــم الجمِيــلْ
لم يتََّكِئْ يومًا علـى الآهـاتِ لم يغْزِل شُموسَ النَّصْرِ مِـنْ خَيـطٍ هَزيـلْ
هذا توهُّجُـهُ علـى جُدرانِ تاريخي إضَاءاتٌ علـى الـدَّرب الطَّويـلْ
وهُنا ابتسامَتهُ تُرصِّـعُ رمْـلَ شُطآني وذي بَصَمَاتُهُ تَزْهو على سَعَفِ النَّخِيل

يقول الدكتور صابر عبد الدايم :
قرأت هذه القصيدة عدة مرات ، وفي كل قراءة يشرق في ذاتي ضوء جديد من عالم القصيدة الفني ، وتلك الخاصية أهم ما يميز القصيدة الحديثة ، فالشاعر (علي محمد صقيل ) استطاع أن يطوع شعر الشطرين ( الموزون المقفى ) للرؤية الشعرية الجديدة ، وهو بذلك يبرهن على أن الوزن والقافية لا يقفان في طريق نُمُوِّ التجربة الشعرية ونضوجها ، ويرد على من يدعي أن الحداثة الشعرية لا يحتويها إلا قالب الشعر المنثور وشعر التفعيلة .
وهكذا جاءت تجربة ( علي محمد صقيل ) انفعالاً صادقًا ، ولغة تركيبية ، وصورة شعرية جديدة ، وإيحاء مشِعًّا في كل اتجاه .
فشاعرنا بطلُ تجربته عربيٌّ منطلقٌ من جبين الشمس في زمن الرحلة والبحث عن واقع فعال وغدٍ أكثر صلابة يقول :
هُوَ مِـنْ جَبـينِ الشَّـمسِ مـولودٌ ومسْكُوبٌ علـى الرَّمـلِ الأصيـلْ
مُنـذُ الـوِلادةِ جــاء وهَّـاجًـا ومسْكُونًـا بـرَنَّــاتِ الصَّليـلْ
ومِنِ المُخاضِ الصَّعبِ من طَلقِ الظَّهيـ ـرةِ هَـبَّ مجتازًا دروبَ المستَحيـلْ

هُوَ مِـنْ جَبـينِ الشَّـمسِ مـولودٌ ومسْكُوبٌ علـى الرَّمـلِ الأصيـلْ
مُنـذُ الـوِلادةِ جــاء وهَّـاجًـا ومسْكُونًـا بـرَنَّــاتِ الصَّليـلْ
ومِنِ المُخاضِ الصَّعبِ من طَلقِ الظَّهيـ ـرةِ هَـبَّ مجتازًا دروبَ المستَحيـلْ
هذه الهُوِيَّة التي رسمها الشاعر ، تُفصح عن إحساس واعٍ بوظيفة الكلمة ، ودور اللغة في تنامي التجربة الشعرية ، فالشمس في دلالتها الشعرية هنا رحِمٌ لبطل التجربة ، وهي في مدلولها الرمزي تعني الأصالة والتوهُّج ، بل والعطاء الذي يغمر الأرض بأسباب الحياة ، والرمل هو الحبيب الظمآن لفيض الشمس ، ولعطائها الممتد ، وهذا التوهُج المصاحب لقدوم الوجه الآتي لا يقف عند حد الإحياء ، وبث الخضرة في الوديان المجدبة ، بل نلمح في عينيه بريق الصليل ، وملامح المقاومة والتصدي لمن يقف في طريقه .
الوظيفة النحوية لكلمة ( وهاجًا ) وهي في موقع الحال لا تنفصل عن الدلالة الشعرية والسياق العام للنص ، فالتوهج حركة وانفعال وتوثُّب وصراع ومقاومة وحياة .


ومِنِ المُخاضِ الصَّعبِ من طَلقِ الظَّهيـ ـرةِ هَـبَّ مجتازًا دروبَ المستَحيـلْ
وحتى لا يقع الشاعر في دائرة ( الفجر الأجوف ) فيركب حصانًا من خشب ويحمل سيفًا من حطب ، ويلوح مثل فرسان طواحين الهواء ، نراه ينجو من هذا المأزق الذي وقع فيه كثير من الشعراء ، ويصور لحظة المخاض الصعب ، ممتطيًا صهوة هذا التعبير الجديد ( طلق الظهيرة ) والتعبير يعرض أمامنا لحظة المعاناة التي صاحبت هذا القادم في تشكله الجديد ، وعبوره الدروب المستحيلة .
هو جَـدُّكَ العَـربيُّ هـذا القـادِمُ الآتــي المعَّبــأ بالصَّـهيــلْ
ويفصح الشاعر عن المقصود بتلك الصفات ، وهذا الإفصاح أضرَّ بالجوِّ الشعري المحلِّق ، المتشبع بروح الأسطورة ، وعبق التاريخ ، واستنهاض الحاضر ، وإشراقات الغد .
فالقارئ الجيد ليس في حاجة إلى إعطائه مثل هذه المفاتيح السهلة التي تصيب التجارب الشعرية بالعطب ، فقد تعرفنا على المقصود بتلك الصفات ، ونحن نتأمل رصد الشاعر لأبعاده الفنية ، فالكلمة والعبارة والصورة والإيحاء والخيال مقومات فنية تنطق بالمعنى المكنون في قلب الشاعر علي محمد صقيل .

وربما يقول البعض إن الشاعر مازال أسير القفص الرومانسي ، فهو يجترُّ ذكريات الماضي ، أو هو يعيش في ظلال داكنة لزمان غَبِر ، مبتعدًا عن الواقع .
وهذا الاتهام ـ إن وجد ـ بعيد عن دائرة التأمل النقدي لعالم القصيدة .
فالشاعر يصور رحلة هذا المسافر في سنبلات الزمن المعطاء .
هو جَـدُّكَ العَـربيُّ هـذا القـادِمُ الآتــي المعَّبــأ بالصَّـهيــلْ
صَحوًا أتـى مثلَ انبـلاجِ الصُّبـحِ مشــدودًا إلى المجــد الأثيــلْ
كـم سـارَ مخترقًـا بِحـارَ الهـم مــوَّارًا إلى الحُلُــم الجمِيــلْ
إن الحركة هنا تفاعل مع حركة الزمن ، فليس هنا سكون ، وإنما انفعال وقدوم ، وليس هنا هروب ، وإنما إقدام ووثوب ، وليس هنا سجن للحاضر في بريق الماضي وإنما خطوات الزمن القديم ، وزمن التوهج الحضاري العربي والإسلامي ، تنبعث من جديد ، وتسمع أصداءها ، وقد امتزجت بأحلامنا الكبيرة في صنع حاضر أزهى ، وغدٍ أسمى .

هو جَـدُّكَ العَـربيُّ هـذا القـادِمُ الآتــي المعَّبــأ بالصَّـهيــلْ
صَحوًا أتـى مثلَ انبـلاجِ الصُّبـحِ مشــدودًا إلى المجــد الأثيــلْ
كـم سـارَ مخترقًـا بِحـارَ الهـم مــوَّارًا إلى الحُلُــم الجمِيــلْ
تأمل هذه التركيبات الشعرية في رصد حركة هذه الخطوات ومسيرة الجد العربي القادم إلى أحفاده : ( المعبأ بالصهيل ـ صحوًا أتى ـ كم سار مخترقًا بحار الهم موَّارًا إلى الحلم الجميل توهجه على جدران تاريخي إضاءات )
هذا توهُّجُـهُ علـى جُدرانِ تاريخي إضَاءاتٌ علـى الـدَّرب الطَّويـلْ
وهُنا ابتسامَتهُ تُرصِّـعُ رمْـلَ شُطآني وذي بَصَمَاتُهُ تَزْهو على سَعَفِ النَّخِيل
ويصور الشاعر تلاقي الأزمنة ، بل وتلاحقها ، وتكاثرها لتجسم صورة العربي الحضارية ليست الصورة الكائنة ، ولكن ما يجب أن تكون كما كانت توهجًا وصهيلاً وركضًا ورفضًا . وفي اسم الإشارة ( هذا ) تجسيم لأثر الماضي في الواقع والمستقبل ( هذا توهجه ) وإذا كان التعبير ( بهذا ) يفصح عن الدلالة الزمنية للصورة الشعرية هنا ، فإن التعبير بقوله ( وهنا ابتسامته ) يفصح عن الدلالة المكانية للأثر الحضاري الذي أحدثه هذا التوهج

هذا توهُّجُـهُ علـى جُدرانِ تاريخي إضَاءاتٌ علـى الـدَّرب الطَّويـلْ
وهُنا ابتسامَتهُ تُرصِّـعُ رمْـلَ شُطآني وذي بَصَمَاتُهُ تَزْهو على سَعَفِ النَّخِيل
( وجدران التاريخ ) تفصح عن إيقاع البقاء المتمثل في الآثار الباقية التي شيدها الأجداد وسجلوها على جدران قصورهم ، ومساجدهم ومعاهدهم العلمية .
وأصالة الشاعر تكمن في هذه القدرة الشعرية على نحت معجمه الشعري من تضاريس بيئته وتكوين صوره الشعرية من لبناتها .
وتأمل معي هذه المفردات الشعرية بعد تأملك للتراكيب السابقة ترى أن المفردة يزُفُّها إلينا في ثوب عربي بدوي ( الرمل ـ رمل شطآني ـ يغزل شموس النصر ـ الخيط ـ سعف النخيل )
ولا قيمة للمفردة في الشعر ما لم تصبح مع أخواتها لبنات بناء شعري متماسك . وهذا ما وفق الشاعر إليه .

وتبقى عدة مآخذ فنية لابد من ذكرها استجابة للأمانة النقدية وهي :
يا أيُّها العـربيُّ في زمَـنِ الرَّحِيــلْ لا تَسْـقِهِ مـاءَ التَّـأَوُّهِ والعَويـلْ
أولاً : البيت الأول فيه إبهام وخطابية ويمكن أن يعيد الشاعر صياغته بالطريقة التي يراها ؛ حتى يتجنَّب الوقوع في أسر الخطابية الشعرية ؛ فالشعر كما تترجمه باقي أبيات القصيدة همس وانفعال وإيحاء .
ثانيًا : آمل أن يبتعد الشاعر عن بعض الصور التي يسوقها في هيكل تقليدي ، وهو قادر على إبداع الصورة التقليدية : ( بحار الهم ـ لا تسقه ماء التأوّه والعويل )


_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 8:54 am





قصيدة أبو تمام في الغربة والفراق
قال أبو تمام :
مـا اليومُ أوَّلَ توْدِيعٍ ولا الثَّاني البينُ أكثرُ من شوقي وأحزاني
دَعِ الفِراقَ فـإنَّ الدَّهرَ ساعده فصارَ أمْلَكَ من رُوحِي بجُثْماني
خلِيفَةُ الخِضْر من يَربَعْ على وطنٍ في بَلْدَةٍ فظُهورُ العِيسِ أوطاني
بالشَّامِ أهْلِي ، وبغدَادُ الهَوى وأَنَا بالرَّقَّتينِ وبالفُسطاطِ إخوانِـي
وما أظَنُّ النَّوى تَرْضَى بما صَنَعتْ حتَّى تُطوِّحَ بي أقْصَى خُراسَانِ
وليسَ يَعْرِفُ كُنْهَ الوَصْلِ صاحِبُهُ حتَّى يُغَـادى بِنَأيٍ أو بِهِجْرَانِ

نقد المعاني

هذه الأبيات من قصيدة يمدح فيها أبو تمام محمد بن حسان الضَّبِّي .
ما المعنى العام الذي ينتظم تلك الأبيات ؟ أو ما موضوع الأبيات السابقة ؟
وصف معاناة الشاعر من فراق الأحبة ، واستمرار الغربة التي لا تكاد تنتهي
مـا اليومُ أوَّلَ توْدِيعٍ ولا الثَّاني البينُ أكثرُ من شوقي وأحزاني
دَعِ الفِراقَ فـإنَّ الدَّهرَ ساعده فصارَ أمْلَكَ من رُوحِي بجُثْماني
خلِيفَةُ الخِضْر من يَربَعْ على وطنٍ في بَلْدَةٍ فظُهورُ العِيسِ أوطاني
سعى الشاعر في هذه الأبيات إلى عرض مظاهر الفراق وصوره المتنوعة في حياته ؛ فاليوم ليس آخر يوم يودع فيه أحبته ، والفراق أصبح يملك عليه جوانب نفسه ، فقد بات مثل الخضر في استمرار تنقُّله وارتحاله .

بالشَّامِ أهْلِي ، وبغدَادُ الهَوى وأَنَا بالرَّقَّتينِ وبالفُسطاطِ إخوانِـي
وما أظَنُّ النَّوى تَرْضَى بما صَنَعتْ حتَّى تُطوِّحَ بي أقْصَى خُراسَانِ
وليسَ يَعْرِفُ كُنْهَ الوَصْلِ صاحِبُهُ حتَّى يُغَـادى بِنَأيٍ أو بِهِجْرَانِ
والشاعر موزع القلب بين أمكنة كثيرة في بلدان متعددة ، وليت الأمر ينتهي بذلك التوزيع للقلب ، إذا إنه يتوقع أن يسافر إلى أمكنة بعيدة وإلى أقصى خراسان بالتحديد ، وهو سفر شاق يجعل غيره من الأسفار هينًا سهلاً .
إنه معنى واحد ألحَّ عليه الشاعر فكان ذلك سببًا من أسباب العمق ، الذي تحقق لكثرة المعاني الجزئية وتتابعها .
كما أن المعاني اتصفت بالوضوح ، فقد عرفنا المعاناة التي عاناها الشاعر وصور الفراق وما تحدثه من ألم في النفس وبخاصة حين يقول :
وليسَ يَعْرِفُ كُنْهَ الوَصْلِ صاحِبُهُ حتَّى يُغَـادى بِنَأيٍ أو بِهِجْرَانِ
فكأننا به يريد أن يقول : إنني مهما حدثتك عن تلك المعاناة فلن تعرفها حق المعرفة ، حتى تصاب بمثل ما أصبتُ به من هجران ونأي ، وحينئذٍ ستعرف أنني لم أبالغ في قولي

وتخلو المعاني من تجاوز الحقيقة ، فهي معان صحيحة لا مجال لوجود خطأ فيها ، ومن ناحية الجدة والابتكار فهي معان تقليدية ، طرافتها جاءت من جوانب أخرى غير الجانب المعنوي وإن كان البيت الرابع فيه جدة وطرافة واضحتان .

نقد العاطفة

تبدو صفة الصدق في العاطفة عند معرفتنا بالدافع إلى نظم هذه القصيدة ، ويبدو أن الدافع إليها دافع حقيقي .
وهي من النماذج الفريدة للحب الأخوي ، المبني على الإعجاب والتقدير .
ومع أن القصيدة في غرض المدح ؛ إلا أننا نرى فيها جانبًا ذاتيًا يرتبط بنفس الشاعر ، وحديث عنها وإليها ، وكأنه ليس في مقام المدح الذي بدا صوته واهنًا ضعيفًا .
وهذا في حدِّ ذاته يمثل دفاعًا قويًا عن شعر المديح في تراثنا العربي القديم ، فليس كله مبالغة وادعاء ، وإسرافًا في تقدير قيمة الممدوح ، بل من قصائد المديح ما تبرز فيها معانٍ كريمة كهذه القصيدة .
أما قوة العاطفة في النص فتتجلى بأثر النص في نفوسنا بسبب جمال أسلوبه وإيقاعه الجميل وبسبب التعاطف مع هذا الغريب الذي كتب عليه أن يظل مسافرًا أبدًا ، وقد استطاع الشاعر ان يجعلنا نتأثر بذلك حتى أصبح قوله :
بالشَّامِ أهْلِي ، وبغدَادُ الهَوى وأَنَا بالرَّقَّتينِ والفُسطاطِ إخوانِـي
من الأبيات الشهيرة الذائعة الصيت ، التي تقال عند كل موقف ، يتشتت فيه الفؤاد بين أحبة متفرقين ، في أمكنة متفرقة .

نقد الخيال

تضمنت الأبيات عددًا من الصور الخيالية البسيطة من حيث مكوناتها الإبداعية ، وتجلت براعة الشاعر في رسمها وتوظيفها لخدمة غرضه .
ففي قوله :
خلِيفَةُ الخِضْر من يَربَعْ على وطنٍ في بَلْدَةٍ فظُهورُ العِيسِ أوطاني
الشاعر يرسم لنا صورة رجل مسافر تظل حاجته بعيدة عنه ، فتنصرم أيامه ولياليه بحثًا عنها وسفرًا إليها ، فهو لا يعرف ما يعرفه الناس من لذة الاستقرار ، وهناء العيش في وطن واحد ، بل أوطان متعددة ، هي ظهور الإبل تغدو به وتروح من مكان إلى آخر .
وفي قوله :
وما أظَنُّ النَّوى تَرْضَى بما صَنَعتْ حتَّى تُطوِّحَ بي أقْصَى خُراسَانِ
جعل الشاعر خصومة بينه وبين النوى ، جسَّدها في صورة خيالية ، تتمثَّلُ فيه على هيئة شخصية حيَّة ترضى وتغضب وتنتقم من صاحبنا ، فتقذف به إلى كل أرض بعيدة ، ولو كانت تلك الأرض خراسان .
والخيال في تلك الصور كلها صحيح ليس فيه إغراب أو تعميةٌ

نقد الأسلوب
في مجال المفردات :
نرى أن مفردات النص واضحة بيِّنة .
والعجب أن تكون هذه القصيدة ذات الأسلوب السهل لشاعر قامت شهرته على التكلف وشدة طلبه للمعاني ، واستكراه الألفاظ .
لذا فإن هذا النص يؤكد قول النقَّاد : أن أبا تمام إذا ترك نفسه على سجيَّتها ولم يتعسَّف في طلب المعاني جاء شعره من أعظم الشعر وأروعه .
كما نرى دقة استعمال الكلمة :
في قوله : ( ظهور العيس أوطاني ) استعمل صيغة الجمع لكلمتي ( ظهر ) و ( وطن ) وفي استعماله لصيغة الجمع دلالة على الكثرة ، ولو استعملها بصيغة الإفراد لم يكن للمعنى هذا الجلال والجمال .
الذي بدت فيه ظهور الإبل كلها أوطانًا له ، فهو لا ينزل عن راحلة إلا ويركب أخرى .
في مجال المفردات :
نرى أن مفردات النص واضحة بيِّنة .
والعجب أن تكون هذه القصيدة ذات الأسلوب السهل لشاعر قامت شهرته على التكلف وشدة طلبه للمعاني ، واستكراه الألفاظ .
لذا فإن هذا النص يؤكد قول النقَّاد : أن أبا تمام إذا ترك نفسه على سجيَّتها ولم يتعسَّف في طلب المعاني جاء شعره من أعظم الشعر وأروعه .
كما نرى دقة استعمال الكلمة :
في قوله : ( ظهور العيس أوطاني ) استعمل صيغة الجمع لكلمتي ( ظهر ) و ( وطن ) وفي استعماله لصيغة الجمع دلالة على الكثرة ، ولو استعملها بصيغة الإفراد لم يكن للمعنى هذا الجلال والجمال .
الذي بدت فيه ظهور الإبل كلها أوطانًا له ، فهو لا ينزل عن راحلة إلا ويركب أخرى .

بالشَّامِ أهْلِي ، وبغدَادُ الهَوى وأَنَا بالرَّقَّتينِ وبالفُسطاطِ إخوانِـي
ومما هو متقرر في لغة الشعر ان ذكر أسماء الأعلام والأمكنة مما يضعف الشعر وبخاصة إذا تتابعت في بيت ، لكن أبا تمام نجح في البيت الرابع ، حين جمع فيه بين أسماء أربعة من البلدان : الشام وبغداد الرَّقتين والفسطاط ، ومع ذلك طوَّع هذه الأسماء لموسيقا الشعر فلم يكن ذكرها مُذْهِبًا لجمال الشعر .
وما أظَنُّ النَّوى تَرْضَى بما صَنَعتْ حتَّى تُطوِّحَ بي أقْصَى خُراسَانِ
نجد في كلمة ( تطوِّح ) هي كلمة موحية ٌ فيها من الدلالة على المعاناة ما لا نجد في قوله مثلاً : ( ترمي بي ) أو ( تقذف بي ) .
ومن ناحية الجرس اللفظي . هنالك ميزة ظاهرة في تشديد الواو وكأنها تمثل معاناة الشاعر ، ثم نجد الألف الأخيرة في ( أقصى ) ومثله المد في ( خراسان ) يعطي شعورًا بالبعد وأن الشاعر في سبيله إلى الرحيل إلى مكان ناءٍ بعيد .

في مجال التراكيب :
أسلوب أبي تمام في هذه القصيدة ـ على غير عادته ـ أسلوب سهل لا تجد فيه ما يشعر بالتكلف أو الصنعة .
في مجال موسيقا الشعر :
نجد الشاعر قد اختار ( البحر البسيط ) وهو وزن شعري يلائم طابع الذكرى والحنين الذي جعله الشاعر غرضه الأول في هذه الأبيات وجاء مفتتحًا به قصيدته المادحة .
كما أن قافية القصيدة المكونة من الكلمة الأخيرة في كل بيت ، قد انتهت فيها كل كلمة بحرف النون المسبوقة بحرف مد ، حيث أن المد يتفق وصوت الشاعر الحزين الذي يدل على الشكوى والألم ، كأنما هي تأوُّهات حرَّى ، ثم ينكسر ذلك الصوت في وهن وضعف يمثله حرف النون ، يعين على ذلك تباعد المخرج الصوتي لكل من ( الألف والنون ) ؛ ولذا سلمت كلمات القافية من الثقل على اللسان .

في النص موسيقا داخلية نجدها واضحة من استثمار الشاعر أداته الفنية استثمارًا أظهر في الأبيات حيويَّة متدفقة ، فهناك المدود في كلمات النص ( الفراق ـ الهجران ـ الشام ) كما أن هنالك تنويعًا للصيغ ففي البيت الأول نفي ( ما اليوم ...) وفي الثاني أمر ( دع الفراق ) وهو أمر من الشاعر وإليه ، وهو من باب التجريد حيث يخاطب الشاعر نفسه مخاطبته لشخص آخر ، ثم يجعل الصيغ في شكل جمل خبرية ( خليفة الخضر ) أي أنا خليفة الخضر ، وهكذا في تنقُل بين الصيغ يمنح النص حيويته الظاهرة .
ولقد تشكل من ذلك كله نغم خاص بالقصيدة ، يؤلف مع نجاح الشاعر في اختيار كل من الوزن والقافية موسيقا شعرية عذبة ؛ تجعل القارئ يأنس بهذا النص ، ويستمتع باستماعه وإنشاده .



_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 9:02 am






مقاييس نقد الأسلوب

ما تعريف الأسلوب ؟
الأسلوب :
يتمثل في البناء اللغوي للشعر من حيث اختيار المفردات ، وصياغة التراكيب ، وموسيقا الشعر .
الجوانب التي يُدرس من خلالها الأسلوب :
نقد المفردات .
نقد التراكيب .
نقد موسيقا الشعر .

نقد المفردات

جوانب نقد المفردات هي :
1ـ سلامة الكلمة من الغرابة . 2ـ إيحاء الكلمة . 3ـ دقة استعمال الكلمة .
أولاً : سلامة الكلمة من الغرابة .
بم تتحقق فصاحة الكلمة ؟
تتحقق فصاحة الكلمة بخلوها من العيوب التي تصيب الكلمة كالغرابة في الكلمة ، والمصطلحات العلمية .
أمثلة ذلك : أ ـ الغرابة في كلمة ( تامور ) في قول أبي تمام :
ومَودَّتي لكَ لا تُعارُ بَلَى إذا ما كان تَامورُ الفؤاد يُعارُ
ب ـ المصطلحات العلمية مثل كلمة ( الأكسُجِين ) في قول علال الفارسي مخاطبًا الشباب العربي :
واحفَظُوا ما وَرِثْتُمُ من لِسانٍ فهو رُوحُ الحياةِ والأُكسُجِينُ .

ثانيًا : إيحاء الكلمة .
ما المراد إيحاء الكلمة ؟ وما أهميته ؟
إيحاء الكلمة أي دلالتها . لأن لها ظلالاً وتداعيات .
لذا يختار الشاعر الكلمات قصدًا ليفيد مما توحيه معاني متعددة تكسب الشعر آفاقًا رحبة .
مثال ذلك : اختيار النابغة الذبياني كلمة ( الليل ) في قوله معتذرًا من النعمان بن المنذر :
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ .
معنى البيت أنه لا مهرب من النعمان ، الذي يستطيع أن يصل إلى الشاعر مهما بَعُد عنه ، فمثله في ذلك مثل الليل لابدَّ أن يدرك كل بقعة من الأرض . ولكن النَّهار مثل الليل في هذا الأمر فلماذا اختار الشاعر كلمة ( الليل ) ؟
لقد أدرك النقاد أن كلمة ( ليل ) لما فيها من معنى الوحشة ، والخوف ، ولمَّا كان المقام مقام خوف ، وهرب ؛ كانت هذه الكلمة أكثر ملاءمة للموقف ، وإيحاء بتصوير الحالة النفسية للشاعر .
ولعلك لاحظت فيما مرَّ عليك في دراستك أن النَّص الشعري الذي يكون موضوعه التفاؤل والأمل ، فإن كلماته تبدو مشعة موحية بالأمل والإشراق والبهجة ، والنصوص التي تدور حول موضوع التشاؤم ، فإن مفرداته توحي بالضياع والحزن والألم . وهكذا في كثير من موضوعات الشعر وأغراضه نلحظ استثمارًا لخاصية الإيحاء في الكلمة وإفادة منها

دقة استعمال الكلمة
ما المراد بدقة استعمال الكلمة ؟
أن يحسن الأديب اختيار الكلمة ، ويضعها في موضعها الصحيح لتناسب المقام .
فمع كثرة المفردات اللغوية المهيأة للشاعر إلا أن على الشاعر أن يجدَّ في البحث عن الكلمات التي تناسب المقام ، وأن تكون استعمالاته للمفردات استعمالات متقنة ، يتجلى فيها جهد رائع في حسن استخدام الكلمة ، وإذا عدت لما سبقت دراسته في نقد النابغة الذبياني لأبيات حسان ، رأيت ذلك النقد متجهًا إلى إخفاق الشاعر في دقة اختيار الكلمة ، ووضعها في موضعها المناسب .
مما ينتفع الناقد الأدبي في مقياس دقة الكلمة ؟
ينتفع بما كشف عنه علماء اللغة في كتب ( الفروق اللغوية ) من فروق في الدلالة بين كلمات تبدو أول وهلة أنها بمعنى واحد .

الأمثلة :
أ ـ رُوِي أن الشاعر إبراهيم بن هَرْمَة سمع بيتًا له يُنشِدُه أحد الناس وهو قوله :
بالله ربِّكَ إنْ دَخَلْتَ فقُلْ لها : هذا ابنُ هَرْمَةَ قائمًا بالباب
فغضب ابن هَرْمَة وقال :ليس كذلك ! وإنما قلتُ واقفًا ، وليتك عرفت ما بينهما من معنى
فالقيام يقتضي الملازمة والاستمرار حتى كأنما هو حاجب على باب بيتها ، مما يوحي بالمذلة أما الوقوف فلا يفيد ذلك .
ب ـ يقول إسماعيل صبري :
أقْبِلِي نَسْتَقْبِلِ الدُّنيا وما ضَمِنَتْهُ مِن مُعِدَّاتِ الهَنَا
فكلمة ( معدَّات ) فيها ثقل ونفور يجعلها غير ملائمة لإضافتها للهناء ، فاستعمالها هنا غير ملائم للسياق . إن من الممكن أن يقال : معدات الزراعة ، أو الصناعة . أما معدات الهناء فغير مناسبة .

نقد التراكيب
ما سبب دراسة التراكيب في الشعر؟
تُدرس التراكيب في الشعر لمعرفة خصائصها ، ومميزاتها من حيث الجزالة والسهولة .
أولاً : الأسلوب الجزل :
ما هو الأسلوب الجزل ؟
ما كان قويًًّا غير مُستكرهٍ ولا ركيك .
ويحدِّده النقاد بأنه :
الأسلوب الذي تسمعه العامة ، ويعرفونه لكنهم لا يستعملونه في أحاديثهم .
ما أبرز سمات الأسلوب الجزل ؟
قوةُ الكلمات .
قِصَرُ الجمل .
غلبةُ الإيجاز فيه على الإطناب .
اتصافه بالفخامة التي تجعله في مستوى عالٍ من القول

بم ترتبط جزالة الأسلوب ؟
بظروف مختلفة كالعصر والبيئة والمذهب الشعري للشاعر .
فالشعر الجاهلي بعامة أكثر جزالة من الشعر العباسي ، والشعر العباسي أكثر جزالة من شعرنا المعاصر . كما أنَّ شعراء العصر الواحد والبلد الواحد يختلفون فيما بينهم في مستويات الجزالة ، فشعر الفرزدق أكثر جزالة من شعر جرير ، وفي عصرنا نجد شعر الأستاذ عبدالله بن خميس يتميز بالجزالة والقوة .
من نماذج الشعر الجزل قول سالم الأسدي :
أُحبُّ الفتى ينفي الفواحش سَمْعُهُ كـأنَّ بهِ عن كُـلِّ فاحشةٍ وَقْرَا
سليمَ دواعي الصَّدرِ لا باسِطًا أذًى ولا مانِعًا خيرًا ولا ناطِقًا هُجْـرا
إذا ما أتتْ من صاحبٍ لكَ زَلَّـةٌ فكُنْ أنتَ مُحْتَالاً لِزَلَّتِهِ عُـذْرا
غِنى النَّفْسِ ما يَكْفِيكَ من سَدِّ خَلَّةٍ وإن زادَ شيئًا عَادَ ذاك الغِنَى فَقْرا

ثانيًا : الأسلوب السهل :
ما هو الأسلوب السهل ؟
هو ما ارتفعت ألفاظه عن ألفاظ العامة ، وخلا من الغريب الذي يحتاج إلى بيان وتفسير .
وهذا النوع من الأساليب مما يمكن أن يوصف بالسهل الممتنع ، فهو مع قربه وسهولته إلا أنَّ إبداعه وإنشاءه ليس بالأمر الهيِّن .
ما أبرز سمات الأسلوب السهل ؟
البعد عن التكلف .
مَنْ أبرز من تميز شعره بالسهولة ؟
في القديم عمر بن أبي ربيعة ، وأبو العتاهية ، ومسلم بن الوليد .
وغالب الشعر العربي المعاصر يمتاز بالسهولة والبعد عن التكلف

ومن أمثلة ذلك قول الشاعر محمد عبد المعطي الهمشري :
أجَــلْ أنتِ فـاتِنَــةٌ إنَّمــا أرى عِزَّةَ النَّفـسِ لي أفْتَنـا
إذا كـان عنـدكِ سِحْرُ الجمـالِ فسِحْرُ الرُّجُولَةِ عندي أنَـا
وإنْ كَـثُرتْ في هَـوَاكِ القُلـُوبُ فإنَّ الشَّبـابَ سريعُ الفنـا
وأنتِ المُـنى ، غـيَرَ أنِّـي امرؤ يُذلِّـلُ للكبريــاء المُنـى
ويكره في الحُـبِّ بَـذلَ الدُّموعِ وبَسْطَ الخُضُوعِ وفَرْطَ الضَّنى
إذا المـرءُ هـانَ علـى نفسِـهِ يكُـونُ علـى غيرِهِ أهْـوَنَا

نقد موسيقى الشعر

ما أهمية موسيقا الشعر ؟
هي الخاصية البارزة ، والعلامة الفارقة بينه وبين النثر ، وهي النغم الشجي الذي تصاغ فيه المعاني فيحيلها إلى نشيد عذب .
مم تتألف موسيقا الشعر ؟
تتألف من أمور ثلاثة :
الوزن الشعري .
القافية .
الموسيقا الداخلية

أولاً : الوزن الشعري :
ما المراد بالوزن الشعري ؟
يراد به البحر الشعري الذي صيغت عليه القصيدة .
فالشعر العربي قد بلغ مرحلة النضج والاستقرار ، بالتزامه الأوزان الشعرية التي اكتشفها الخليل بن أحمد ، ونسبة هذه البحور إلى الخليل لا يعني انه صنعها في الشعر وأوجدها فيه ، بل كان دوره اكتشافها فحسب .
علام يدل الالتزام بالبحور الشعرية إلى يومنا هذا ؟
يدل على أن الذائقة العربية لا تستسيغ الشعر إلا وفق هذه البحور الفنية التي اختص بدراستها علم العروض والقافية .
ما العلاقة بين البحور الشعرية والأغراض ؟
يرى بعض النقاد أن ثمَّة علاقة بين موضوع القصيدة وغرضها من جهة ، وبين الوزن الشعري الذي بنى عليه الشاعر قصيدته من جهة أخرى ، فالبحور ذوات التفعيلات الطويلة أو الكثيرة ، تصلح غالبًا للموضوعات الحماسية ونحوها ، كما أن البحور الخفيفة تصلح لغرض الغزل ونحوه ، وهي علاقة ظاهرة لكنها لا تمثل قاعدة مطردة .

ثانيًا : القافية :
ما أهمية القافية ؟
هي الركن الثاني من أركان النظم الشعري .
وكانت القصائد بحروف قافيتها ، فيقال: لامية الشنفري وسينية البحتري وهمزية البوصيري
ما أهمية اختيار القافية وإيقاعها وحرفها المميز ؟
ذلك يمثل مستوى إبداعيًا يجعله الناقد مجالاً من مجالات الحكم على الشعر .
الأمثلة :
أ ـ فاختيار حرف الباء في بائية أبي تمام كان موفقًا ملائمًا للغرض الحماسي للقصيدة .
لماذا ؟
لأنه أدعى لبروز التفخيم ، وقوة الجرس ، وشدة الإيقاع .
السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحدُّ بين الجدِّ واللَّعَـبِ
فتح الفتوح تعالى أن يحيط بـه نظمٌ من الشعر أو نثرٌ من الخطبِ
فتح تفتَّحُ أبواب السماء لـه وتَبْرُزُ الأرض في أثوابـها القُشُبِ

ب ـ أبيات حِطَّان بن المعَلَّى التالية تبدو فيها القافية نغمًا شجيًّا هادئًا ، فيه حزن ووهن ، يحملان على الرحمة والشفقة ، والعاطفة الحانية :
أبكـانيَ الدَّهـرُ ويا رُبَّمـا أضحكـني الدَّهـرُ بما يُرضِي
لولا بُنَيَّاتٌ كزَغَبِ القطَـا رَدَدْنَ من بعضـي إلى بعضـي
لكان لي مُضْطَرَبٌ واسـعٌ في الأرضِ ذاتِ الطُّولِ والعرْضِ
وإنَّـما أولادُنـا بيننــا أكبادُنـا تمشي علـى الأرضِ
لو هَبَّتِ الريحُ على بعضهمْ لا متنعَتْ عيني عـن الغمـضِ
ج ـ كما تلعب القافية دورًا كبيرًا في التأثير النفسي حين تصور القصيدة لحظات وداع شاعر لأرضه وبلاد محبوبه فتكون القافية عونًا على رقة قصيدته وعذوبتها يقول الصُّمة القُشيري
قِفَا ودِّعا نجدًا وَمن حَلَّ بـالحِمى وقَـلَّ لنجدٍ عندنـا أن توَّدعَـا
بنفسي تلك الأرضُ ما أطيب الرُّبا وما أحسن المصطاف والمُتَرَبَّعـا
وليستْ عشِيَّاتُ الحِمى برواجِـعٍ إليكَ ولكنْ خَلِّ عينيكَ تدمَعَـا
ولمَّا رأيتُ البشْرَ أعـرضَ دُوننـا وحالتْ بناتُ الشَّوقِ يَحنُنَّ نُزَّعَا
بَكتْ عينيَ اليُسرى فلمـا زَجَرْتُها عن الجهْلِ بعدَ الحلْمِ أسْبَلتَا معَـا

ثالثًا : الموسيقا الداخلية :
ما المراد بالموسيقا الداخلية ؟
هي نغم خاص تمتاز به القصيدة .
بسبب نجاح الشاعر في اختيار المفردات ، وترتيبها وفق نسق خاص ، وما يتبع ذلك من حركات الإعراب ، والمدّ ، والإمالة ، والتفخيم ، وفنون البديع اللفظي المتعددة .
ومن ذلك نلحظ الفرق الكبير بين سطر النثر ، وبيت الشعر ، فالسطر الواحد في نص نثري يمتاز بتتابع الفكرة واطرادها حتى تتضح للقارئ ، أما البيت الشعري فيقتضي تصرُّفَ الشاعر بتقديم وتأخير أو حذف أو تكرار ،وذلك للمحافظة على الاتِّساق الصوتي المطلوب
الأمثلة :
أ ـ بيت الخنساء في وصف أخيها صخر :
حمَّالُ ألويةٍ ، هبَّاطُ أوديةٍ شَهَّادُ أنديةٍ ، للجيشِ جرَّارُ
ففي هذا البيت نلحظ التوافق بين الصيغ التعبيرية التي تقدم على صيغة المبالغة ( حمَّالُ ، هبَّاطُ ، شَهَّادُ ) كما تبدو في التزام وزن واحد بعد كل من صيغ المبالغة السابقة ( ألوية ـ أودية ـ أندية ) .

ب ـ أبيات لحافظ إبراهيم من قصيدته ( العُمريَّة ) يقول :
إن الـذي برأ الفـاروقَ نزَّهـهُ عن النَّقائصِ والأغراضِ تنْزِيـهَا
فـذاك خُلْقٌ مـن الفردوسِ طِينتُهُ اللهُ أودَعَ فيهـا مــا يُنقِّيـها
لا الكِبرُ يسكُنُها لا الظُلمُ يَصْحَبُها لا الحِقدُ يعرفُها لا الحِرْصُ يُغْويها
فتتجلى الموسيقا الداخلية في البيت الثالث بسبب التناسب اللفظي بين جمله الأربع .
ج ـ من قصيدة البحتري التي وصف فيها إيوان كسرى يقول :
صُنتُ نفسي عمَّا يُدَنِّسُ نفسي وترفَّعتُ عن جَدا كلِّ جبسِ
أتسَلَّى عـن الحُظُوظِ وآسـى لمحَلٍ من آل سَاسَـانَ درْسِ
ذَكَّرتنيهـم الخُطُـوبُ التَّوالي ولقد تُذْكِرُ الخُطُوبُ وتُنسي
فتتجلى الموسيقا الداخلية في القصيدة بسبب تكرار حرف السين ( وهو من حروف الهمس وتوحي بجو الصمت المطبق على آثار كانت ذات يوم تعج بالحركة والحياة .
د ـ كما في ظاهرة المد المتآزر مع حرف الهاء مما يوجد إيقاعًا داخليًا شجيًا . يقول محمود غنيم :
لي فيك يا ليل آهاتٌ أرددها أوَّاه لو أجدت المحزون أوَّاهُ



_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 9:07 am






مقاييس نقد الخيال

ما المراد بالخيال ؟
الخيال : هو الملكة الفنية التي تصنع الصورة الأدبية .
وهو عنصر أصيل في الأدب كله ، وفي الشعر بوجه خاص .
لكن أهمية الخيال تتفاوت من جنس أدبي إلى آخر ، فهو في الخطبة والموعظة أقل منه الشعر الذي يحلق فيه الشاعر في عوالم خيالية بعيدة ، أو القصة التي تستدعي اختراع شخصياتٍ متعددة ، وحوادث متخيلةٍ كثيرة .
بل إن أغراض الشعر نفسها تتفاوت فيما بينها في كثرة الخيال أو قلته ، فهو يقل في شعر الحكمة ، ويكثر في الأغراض الأخرى للشعر الوجداني .
ما أهمية الخيال ؟
بثُّ الشاعر الحياة والحركة في مشاهد مألوفة في حياتنا ، قد اعتدنا على رؤيتها ، ويتخيلها على نحو فيه إثارة وطرافة .
ففي مشهد غروب الشمس نرى ( النهار يتثاءب ، والليل يزحف ،والشمس تمدُّ في الغروب ذراعيها إلى الأرض مودعة ...وشاعر يقف بجانب بحر ، فيراه يئنُّ ، ويلهث من التعب ، ويتخيل صراعًا بين أمواجه ورمال الشاطئ ...
بم يحكم على الشعر الذي يخلو من الخيال ؟
الشعر الذي يخلو من الخيال يعدُّ شعرًا قليل التأثير في النفوس .
الجوانب التي يُدرس من خلالها الخيال :
أولاً : صحة الخيال :
ما مقياس صحة الخيال ؟ وعمَّن يصدر ؟
مقياس صحة الخيال مردُّه إلى الذوق الأدبي .
يصدر عن ناقد متمكن ، أو قارئ مُرهفِ الإحساس .
فليس كلُّ خيال يمكن أن نسلكه في عداد الصورة الأدبية .
ولذا لاحظ النقاد خطأ بشار بن برد حين تخيَّل للوصل رقابًا وللبين رِجْلاً تلبس نعلاً فقال :
وجََذَّتْ رِقَابَ الوَصْلِ أسيَافُ هَجْرِها وَقَدَّتْ لرِجْلِ البَيْنِ نَعْلينِ من خَدِّي


ثانيًا : نوع الخيال :
أ ـ الصورة الخيالية البسيطة :
ما المراد بالصورة الخيالية البسيطة ؟
هي تلك الصورة التي تمثل مشهدًا محددًا لموقف من المواقف ، أو معنًى من المعاني التي يريد الشاعر تصويرها .
وهذا النوع من الصور الخيالية البسيطة هو الأكثر عند العرب .
لماذا يميل الخيال الشعري عند العرب إلى الصورة الخيالية البسيطة ؟
لأن حبَّ العربي للفكرة وحرصه عليها يبعده عن الإغراق في الخيال والمبالغة فيه .
ولما كانت الصورة الخيالية البسيطة تقدم المعنى في وضوح وجلاء ، فإننا نرى من البلغاء من يؤثر تقديم فكرة من أفكاره ، أو رأي من آرائه من خلالها ؛ لكي يضمن انفعال المتلقي بها ، لما في تلك الصورة من بيان بديع .ومن ذلك أن أعرابيًا سئل : كيف فلان ؟
فأجاب : تركته يقطع نهاره بالمُنى ، ويتوسَّدُ ذراع الهمِّ إذا أمسى .
وروي عن الحجاج قوله : ( نِعْمَ امرؤ آخذ بعنان قلبه ، كما يأخذ الرجل بخِطامِ جمله ، فإن قاده إلى حق تبعه وإن قاده إلى معصية الله كفَّه ) .

وللشعراء في مجال الصورة الخيالية البسيطة بدائع من القول ، استطاعوا من خلالها استثمار ملكة الخيال لديهم ، وتقديم صور أدبية بديعة .
الأمثلة :
أ ـ تَمَلُّ الحُصُونُ الشُّمُّ طُولَ نِزالِنَا فتُلْقِي إلينا أهلَهَا وتَزُولُ
يكشف المتنبي في البيت السابق صورة كيف تسقط حصون الأعداء في أيدي المسلمين حصنًا بعد حصن .
فنرى الخيال يحيل الجماد إلى كائن حي ، يرجو ويخاف ، ويصاب بالملل فلا يقدر على الصبر والمقاومة .
ب ـ كأنَّـها عُمْـرُ الفـتى والنَّـار فيـها كـالأجَلْ
يصور الشاعر السَّريُّ الرَّفَّاء حياة الإنسان بالشمعة تضيء ، وما تزال النار فيها مشتعلة حتى تنتهي تلك الشمعة ، فالأجل يأخذ من العمر يومًا بعد يوم حتى يأتي عليه كله ، وكذلك الشأن في نار الشمعة التي تُفنيها شيئًا فشيئًا حتى تنتهي

ج ـ هـا هي الأنجُمُ نـامتْ بين أحضانِ السَّحابِ والشَّذَى النَّشوانُ أغفى حالِمًـا بين الـرَّوابي
يصور لنا الشاعر محمد هاشم رشيد صورة خيالية تبدو فيها النجوم نائمة ، قريرة العين في أحضان السحب ، ويبدو فيها الشذى العطر في إغفاءة حلم لذيذ بين السهول والروابي .
د ـ قد أبْحَرَتْ في جُفونِ الليل قافِيتي والنَّجْـمُ في كُلِّ بيـتٍ بينها انْسَكَبَا وخاضَتِ القَفْرَ بعدَ القَفْرِ قافِلَتِي فما شكتْ مِنْ رحيلٍ في الدُّجَى وَصبَا
يصور الدكتور أسامة عبد الرحمن شعره مبحر في ظلمة الليل ، ونجوم السماء قد تساقطت لتسكن في كل بيت من أبيات قصيدته فتصبح أبياتها مضاءة بهذه الأنجم . ثم يشعر أن عطاءه الشعري غزير ، حتى إنه لا يحس بتعب ولا نصب في هذه الرحلة الشعرية التي ينتقل فيها من بيت إلى بيت ، ومن معنى إلى معنى .
ب ـ الصورة الخيالية المركبة :
ما المراد بالصورة الخيالية المركبة ؟
هي مجموعة مشاهد متعددة تضمُّها صورة واحدة .
في هذا النوع من الصور نجد مشهدًا فيه حركةٌ حيويةٌ ، وألوانٌ مختلفة ، ونحس ُّ بأننا أمام منظر متكامل .
الأمثلة :
أ ـ أبو تمام يصور فتح مدينة عمورية بعد حصار المسلمين الشديد لها ، يقول :
لقد تَركْتَ أمـيرَ المؤمنـينَ بـها للنّار يومًا ذلِيلَ الصَّخْرِ والخَشَبِ
غادَرْتَ فيها بَهِيمَ الليل وهو ضُحًى يَشلُّه وسطْحَها صُبْحٌ مـن اللَّهَبِ
حتى كأنَّ جلابِيبَ الدُّجـى رَغِبتْ عن لونِها ، أوكأنَّ الشَّمس لم تَغِبِ
ضَوءٌ من النارِ ، والظَّلـْمَاءُ عَاكِفَةٌ وظُلْمةٌ من دُخانٍ في ضُحًى شَحِبِ
فالشَّمسُ طَالِعَةٌ من ذا وقـد أفَلَتْ والشمسُ واجِبَةٌ مـن ذا ولم تَجِبِ

في هذا المشهد يجتمع :الضوء والظلمة ، والنار والدخان ، والشمس واللهب يبدو بعضها بوضوح تام ، ويتداخل بعضها مع بعض في صورة مثيرة مروعة ويركز الشاعر على منظر الحرائق المدمرة ، وهو مشهد يتجاوز حدود زمان الحادثة ومكانها ، فلا يبدو على أنه أمر مضى وانقضى ، وإنما يحس القارئ أنه أمام ذلك المشهد يراه رأي العين .
يقول ابن خفاجة واصفًا أحد أنهار الأندلس :
مُتَعطِّـفٌ مِثَلُ السِّـوارِ كأنَّـهُ والزَّهْـرُ يَكنُفُهُ مَجـرُّ سَـماءِ
وغَدَتْ تَحُفُّ بهِ الغُصُونُ كأنَّـها هُـدبٌ تَحُـفُّ بِمُقْلَةٍ زَرقَـاءِ
والمـاءُ أَسْرَعَ جَريُـهُ مُتَحـدِّرًا مُتَلوِّيًـا كـالحَـيَّةِ الرَّقطَـاءِ
والريحُ تَعْبَثُ بالغُصُونِ وقَدْ جَرى ذَهَبُ الأصِيلِ على لُجَيْنِ المـاءِ
في الأبيات السابقة مشهد من مشاهد الطبيعة الخلابة في الأندلس ، حيث يصور الخيال الأدبي نهرًا من الأنهار يميل في مساره ، ويحيط بالروضة إحاطة السوار بالمعصم ، وتتناثر الزهور البيضاء على جانبيه كأنها نجوم المجرة في السماء ، وتحف به أغصان الأشجار تظلله كعيون زرقاء تظللها الأهداب ، فيما يجري الماء بالنهر الذي يتلوى كأنما هو أفعى ، وفي البيت الأخير نرى الرياح وهي تبعث بتلك الغصون ، فيما انعكست أشعة شمس المغيب الذهبية على سطح ماء النهر الصافي ، فكأنما التقى بلقائهما الذهب والفضة معًا .

ج ـ البحتري يصور مثول وفد الروم بين يدي الخليفة العباسي فيقول :
حضروا السِّماطَ فكلما راموا القِرى جـالتْ بأيدِيـهِمْ عُقولٌ ذُهَّلُ
تهْـوي أَكُفُّـهُمُ إلى أفواهِــهِمْ فتجُورُ عن قَصْدِ السَّبيلِ وتَعْدِلُ
مُتَحَـيِّرونَ فَبَـاهِـتٌ مُتَعجِّـبٌ مـمَّا يَـراه ،ونـاظِرٌ مُتـأمِلُ
لقد أصيبوا بالدهشة والحيرة مما رأوا من العظمة في قصور الخلافة ، وما رأوه من جند المسلمين الذين حشدهم الخليفة بصورة مثيرة ؛ ليرى الوفد ما عليه المسلمون من القوة والبأس ، وحتى عندما دُعُوا لتناول الطعام كانت نظرات التعجُّب والانبهار سببًا في جعل أيديهم تخطئ سبيلها إلى أفواههم ، وهو مشهد نجد فيه عنصر الحركة واضحًا وضوحًا بارزًا
وهكذا نجد الصورة الخيالية المركبة تعطي مشاهد متعاقبة ، يرتبط بعضها ببعض ، وتتكامل عناصرها ، فيغدو المشهد مؤثرًا كأنما يرى الإنسان من خلاله حقيقة الشيء لا خياله .





_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 9:13 am





مقاييس نقد الشعر

أولاً : مقاييس نقد المعنى .

ثانيًا : مقاييس نقد العاطفة .

ثالثُا : مقاييس نقد الخيال .

رابعًا : مقاييس نقد الأسلوب .

ما العناصر التي يقوم عليها العمل الأدبي ؟
يقوم الفن الأدبي على عنصرين هما : الشكل والمضمون .
ما المقاييس النقدية التي يدرس من خلالها الشعر ؟
المعنى والعاطفة ، وهما يدخلان تحت إطار المضمون .
الخيال والأسلوب ، وهما يدخلان تحت إطار الشكل .
هل نستطيع في دراستنا فصل عناصر الشعر عن بعضها ؟ ولماذا ؟
لا ، لما بينهما من اتصال وارتباط وثيقين .
فالمعنى يؤثر في الخيال ، والعاطفة تؤثر في الأسلوب ، بل إن الأسلوب هو حصيلة نهائية لتأثير كل من المعنى ، والعاطفة ، والخيال

مقاييس نقد المعنى

ما المقصود بالمعنى ؟
الفكرة التي تعبر عنها القصيدة .
ففي القصيدة الواحدة فكرة رئيسة تنتظم الأبيات جميعها { العنوان } بالإضافة إلى أفكار جزئية صغيرة .
بم يحكم النقاد على الشعر الذي يخلو من فكرة قيِّمة في تضاعيفه ؟
يعدُّ عندهم شعرًا قليل الجدوى والفائدة .
ما أبرز مقاييس نقد المعنى :
مقياس الصحة والخطأ .
مقياس الجدة والابتكار .
مقياس العمق والسطحية .

مقاييس الصح والخطأ

لابدَّ للشاعر من أن يلتزم بالحقيقة سواء أكانت تاريخية ، أم لغوية ، أم علمية .
لماذا يجب على الشاعر التزام الحقيقة ؟
لأن خطأ الشاعر في حقيقة من الحقائق يفسد شعره ، ويجعله غير مقبول من الناس .
أمثلة :
أ ـ عيب على زهير بن أبي سلمى قوله في وصف آثار الحرب وشؤمها على الناس :
فتُنتِجْ لكم غِلمانَ أشأمَ كُلَّهُمْ كأحمرِ عَادٍ ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتفْطِمِ
والمقصود أحمر ثمود الذي أقدم على عقر الناقة .

ب ـ يروى أن أحد النقاد قال لأبي تمام أخبرني عن قولك :
كأنَّ بني نَبْهانَ يومَ وفَاتِهِ نُجومُ سَماءٍ خَرَّ من بينها البدرُ
أردت أن تصف حسن حالهم بعده ، أم سوء حالهم ؟
قال : لا والله إلا سوء حالهم ؛ لأن قمرهم قد ذهب .
فقال : والله ما تكون النجوم أحسن ما تكون إلا إذا لم يكن معها قمر .
فوجم أبو تمام وسكت .
ج ـ انتقد العقاد بيت شوقي الذي يقول فيه :
فاصْبِرْ على نُعمَى الحياةِ وبؤسِها نُعمَى الحياةِ وبُؤسُها سِيَّانُ
فقال : أما الصبر على بؤس الحياة فمعروف ، وأما الصبر على نعماها فما هو ؟!
وذلك لأن نعمى الحياة ليست مما يُصبر عليه ، بل هي مما يتطلبه الإنسان ، ويسعى ليستكثر منه .

مقاييس الجدة والابتكار

متى يكون للمعاني مكانة نقدية متميزة ؟
حين تتصف بالطرافة والابتكار .
هل يعني ذلك أن يقدم الشاعر معاني جديدة لم يسبق إليها ؟
ليس المقصود بذلك أن يقدم الشاعر معاني جديدة لم يسبق إليها ، فهذا أمر صعب المنال في كثير من الأحيان .
فما هو المطلوب في هذه الحالة ؟
المطلوب أن يتناول الشاعر معنى من المعاني فيقدمه بأسلوب يبدو فيه جديدًا أو كالجديد .

أ ـ تشبيه الرجل بالبحر يفيد كرمه وكثرة عطائه ، فهذا معنى تقليدي تناوله أكثر الشعراء ، ولكن أبا تمام أخذ هذا المعنى فقدَّمه لنا تقديمًا طريفًا ، فيقول :
هو البحر من أي النواحي أتيتهُ فلُجَّتهُ المعروف والجود ساحلهْ
تعوَّدَ بسطَ الكفِّ حتـى لو انَّه ثناهـا لقبضٍ لم تُجبْهُ أنامِلُـهْ
ولو لم يكنْ في كفِّهِ غـيرُ روحِهِ لجـاد بـها ،فليتَّقِ الله سائلهْ
ب ـ في تصويرنا لحال الدنيا وهمومها ، وصعوبة تحمُّل مشكلاتها نجد عددًا من الأشعار والأقوال المأثورة تحدثنا عن هذه الهموم . لكن أحمد شوقي يعرض علينا هذه الفكرة في إطار جديد ، وذلك حين خاطب أحد أبطال الأثقال ، مؤكدًا له أن هناك ما هو أشدُّ على النفس من رفع الأثقال ، وحمل الحديد ، يقول :
هذا زمانٌ لا توسُّـطَ عنده يَبْغِي المُغامـرَ عاليًا وجليـلا
كُنْ سـابقًا فيه أو ابقَ بمعزِلٍ ليس التَّوسُّـطُ للنُّبوغ سـبيلا
إنَّ الذي خلقَ الحديد وبأسهُ جعل الحديد لساعِـديك ذليلا
قل لي نُصيرُ وأنت بَرٌّ صادِقٌ : أ حملتَ إنسانًـا عليكَ ثقيلا ؟
أ حملتَ ديْنًـا في حَيَاتِكَ مَرَّةً أ حملتَ يومًا في الضُّلُوع غليلا

أ حملتَ ظُلمًا من قريبٍ غادرٍ أو كاشِحٍ بالأمسِ كان خليلا
أ حملتَ طُغيانَ اللَّئيم إذا اغتنى أو نال من جاه الأمورِقليـلا
تلكَ الحياةُ وهـذهِ أثقالُـها وُزِنَ الحـديدُ بها فعادَ ضئيلا
ج ـ أبو الطيب المتنبي يرى من سيف الدولة عتابًا ولومًا على أمر من الأمور ، فبدلاً من أن يجعل ذلك سببًا في ضِيقه وسخطه نراه يجعله سببًا في أمر محمود العاقبة ، ولدفع هذه الغرابة يعلل ذلك بتعليل منطقي فيقول :
لعل عَتْبَكَ محمودٌ عواقبُهُ فرُبَّما صَحَّتِ الأجسامُ بالعللِ
د ـ أبو تمام يرى أن احتجاب الممدوح عنه ليس أمرًا سيئًا ، ويُحيل هذا الموقف الذي يدل على الإعراض والصدود ، إلى موقف يجعله أكثر مناسبة للأمل والتفاؤل ، حيث يشبه الممدوح بالسماء الملبدة بالغيوم يرتجي منها نزول الغيث ، فيقول :
ليس الحجابُ بمُقْصٍ عنك لي أملاً إنَّ السماء تُرجَّى حين تحتجِبُ

مقاييس العمق والسطحية

ما المقصود بالمعنى العميق ؟
هو الذي تجده يذهب بك بعيدًا في دلالة معنوية عالية مؤثرة ، وتنثال على نفسك معانٍ وخواطرُ كثيرةٌ يثيرها فيك ويستدعيها إلى ذهنك .
ما سبب عمق المعنى ؟
يكون عمق المعنى بسبب موهبة يتميز بها الشاعر بما يختص به من قدرة عقلية ، وملكة ذهنية ، وثقافة عالية .
كما في قول زهير بن أبي سلمى :
وإنَّ الحقَّ مَقْطَعُهُ ثلاثٌ يمِينٌ أو نِفَارٌ أو جَلاءُ .
ما المعنى المراد في البيت ؟
يريد الشاعر بذلك أن الحق يثبتُ بواحدة من ثلاث : يمين ، أو محاكمة ، أو حجة واضحة
وكان عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يتعجب من هذا البيت . ويقول : ( لو أدركت زهيرًا لوليته القضاء ) .

متى تكون الأبيات عميقة المعنى ؟ ولماذا ؟
إذا اعتمدت على الحكمة .
لأنها تمثل اختزال قدر كبير من التجربة الإنسانية وتقديمها في عبارة موجزة بليغة .
فمثلاً : الأبيات التالية لبشار بن برد التي يدعو فيها إلى عدم التفريط بالصديق الوفي من أجل زلة أو خطأ يرتكبه فيقول :
إذا كنت في كـل الأمور معاتبًـا صديقك ، لم تلق الذي لا تعاتبـه
فعش واحدًا ، أو صل أخـاك فإنه مقـارف ذنبٍ تـارة ومجـانبـه
إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ظمئت ، وأيُّ الناس تصفو مشاربه
هل يعني هذا أن يتحول الشعر كله إلى مجموعة حكم ؟ ولماذا ؟
ليس المقصود أن يتحول الشعر إلى مجموعة من الحكم ، يأخذ بعضها برقاب بعض .
لأن ذلك أمر يُضعف الشعر ويُذهب جماله وعذوبته .
وكان مما أنكره النقاد على صالح بن عبد القدوس وغيره من شعراء الحكمة أنهم أكثروا من أبيات الحكمة في أكثر قصائدهم ، ولو جعلوا حكمهم في أشعار متفرقة لكن أفضل

وهذا مما يميز شعر الحكمة عند أبي الطيب المتنبي وأبي تمام ، عنه عند ابن الوردي صاحب لامية العرب ، التي تتضمن حكمًا كثيرة متتابعة
لماذا ؟
لأن ذلك يجعل استفادة القارئ منها قليلة وغير مؤثرة .
ما المقصود بسطحية المعنى ؟
هي المعنى الذي تجده سهلاً جدًا ، ويعرفه أكثر الناس ولا مزيَّة فيه .
كما في قول أحدهم :
الليل ليلٌ ، والنهار نهارُ والأرض فيها الماء والأشجار .
بم وصف أبو العلاء المعري شعر بن هانئ الأندلسي ؟
بأنه كطِحْنِ القرون فتسمع جعجعة ولا ترى طِحْنًا ؛ لأن ألفاظه ذات جرس وإيقاع لكن معانيه بسيطة ساذجة .


_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين نوفمبر 17, 2008 9:19 am






نموذج تطبيقي
يوضح تعريف النقد ،
ويكشف عن وظيفته
الفنية والجمالية

نموذج تطبيقي

قال أحمد شوقي يرثي مصطفى كامل :
المشرقَـانِ عليـكَ ينتحبــانِ قاصِيهما في مأتَمٍ و الدَّاني
دقَّاتُ قلبِ المـرءِ قائلـةٌ لـهُ : إنَّ الحياة دقـائقٌ وثوانِ
فاحفظ لنفسكَ بعد موتِكَ ذكرها فالذِّكرُ للإنسان عُمرٌ ثانِ
هذه الأبيات من قصيدة بلغت أربعة وستين بيتًا .
عناصر نقد الشعر هي : المعنى ، والعاطفة ، والخيال ، والأسلوب .
أولاً : في جانب المعنى : يتسم بالوضوح ، فلا يعجز القارئ عن إدراك ما يريده الشاعر
كما أن فيه عمقًا وقوة ، لأن الشاعر استطاع أن يستحثَّ همم القرَّاء إلى اغتنام الفرص والمبادرة إلى العمل والجد ، و دفْعٍِ كلِّ داعٍ إلى الكسل . فالحياة في جملتها مهما بدت في صورة : القرون أو السنين أو الأشهر أو الأسابيع أو الساعات ، تنشأ عن لحظات سريعة في عمر الزمان ، لكنها على قصرها هي الأساس للزمن الطويل ، إنها هذه الدقائق والثواني التي لا يعطيها الإنسان أهمية تذكر . لكنه حين يعلم أن لحظته هذه موقع ٌ مؤثرٌ في حياته فسوف تتغير رؤيته للأمور ولا يفرط في دقيقة من وقته الثمين .

ثانيا : العاطفة

قال أحمد شوقي يرثي مصطفى كامل :
المشرقَـانِ عليـكَ ينتحبــانِ قاصِيهما في مأتَمٍ و الدَّاني
دقَّاتُ قلبِ المـرءِ قائلـةٌ لـهُ : إنَّ الحياة دقـائقٌ وثوانِ
فاحفظ لنفسكَ بعد موتِكَ ذكرها فالذِّكرُ للإنسان عُمرٌ ثانِ
الأبيات تتسم بالصدق العاطفي ؛ لأنها من غرض تغلب عليه هذه الصفة وهو غرض الرثاء ، فالقصيدة التي منها هذه الأبيات تكشف عن عاطفة صادقة يحسها الشاعر نحو ذلك المتوفى .
وبدا هذا الصدق العاطفي واضحًا في توفيق الشاعر إلى اختيار هذه الألفاظ التي يشع منها الإحساس بالحزن ( ينتحبان ـ مأتم ـ موتك ) وفي المشاركة الوجدانية مع الحياة التي عبر الشاعر ، فقد وجد نفسه في عالم من الحزن ينتظم المشرق والمغرب معا حزنًا على فقد ذلك
أما قوة العاطفة ، فتتمثل في تأثرنا نحن بهذه القصيدة ، وكأنها حديثة عهد بنا ، وكأن مصيبة فقد ذلك الراحل لم تمض عليها عقود من السنوات

ثالثا:الخيال

قال أحمد شوقي يرثي مصطفى كامل :
المشرقَـانِ عليـكَ ينتحبــانِ قاصِيهما في مأتَمٍ و الدَّاني
دقَّاتُ قلبِ المـرءِ قائلـةٌ لـهُ : إنَّ الحياة دقـائقٌ وثوانِ
فاحفظ لنفسكَ بعد موتِكَ ذكرها فالذِّكرُ للإنسان عُمرٌ ثانِ
الأبيات الثلاثة السابقة لا تمنح فرصة كافية لإعطاء صورة عن الخيال في القصيدة إلا أننا نجد أنفسنا أمام صورة خيالية ، بدت فيها الدنيا جميعًا من مشرقها إلى مغربها في حزن ومأتم ومشاركة وجدانية لهذا الحادث المؤلم .
كما نجح الشاعر ايضًا في إبراز نبضات القلب في صورة نداء منه إلى صاحبه بألا يُفرِّط في عمره ، وصحته ، فعمره الذي يحسب بالسنين مبني على اللحظات التي نقيسها بالدقائق والثواني .

رابعا : الأسلوب
قال أحمد شوقي يرثي مصطفى كامل :
المشرقَـانِ عليـكَ ينتحبــانِ قاصِيهما في مأتَمٍ و الدَّاني
دقَّاتُ قلبِ المـرءِ قائلـةٌ لـهُ : إنَّ الحياة دقـائقٌ وثوانِ
فاحفظ لنفسكَ بعد موتِكَ ذكرها فالذِّكرُ للإنسان عُمرٌ ثانِ
نلاحظ أن مفردات النص واضحة ، ولغته سليمة ، ليس فيها خلل ،
في البيت الأول نجد الشاعر استخدم كلمة ( المشرق ) والمراد المشرق والمغرب والتثنية هنا بالتغليب كما في قولهم القمران : الشمس والقمر ، والعمران : أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، وليس في كلمات الأبيات الثلاثة ما نحتاج في معرفته إلى الرجوع للمعاجم اللغوية.
ولعلك تلاحظ التناسق اللفظي في اختيار الشاعر كلمة ( دقات ) بدلاً من ( نبضات ) .
فالأولى تجدها متسقة مع ( قلب ، قائلة ، دقائق ) وأيضًا بين كلمتي ( ثوان ، وثان ) وتلحظ الإيجاز في الأسلوب مما جعل الشطرين الأخيرين من البيتين الثاني والثالث .بمنزلة المثل الشارد ( إن الحياة دقائق وثوان ) ( الذكر للإنسان عمر ثان ) .
الأسلوب

كما ترى كيف جعل ( الدقات ) ناطقة تقول لصاحبها بصيغة التوكيد والجزم : ( إن الحياة دقائق وثوان ...) ثم تأمل تعبيره بـ ( قائلة ) فهذه الدقات القلبية لم يكن قولها في الماضي ، أو أنها تقول في زمن الحاضر فقط ، أو أنها ستقول هذه الحكمة المؤثرة في المستقبل بل هي ( قائلة ) دائمًا في كل وقت ، ولعلك لا زلت تذكر ما سبق لك دراسته ، من أن التعبير بالاسم يدل على الثبات والاستمرار .
ثم إنك لتجد زيادة تأكيد في قوله : ( له ) وما يشعر به هذا القول من تأنيب النفس لصاحبها ؛ لأن الحديث له دون الناس جميعًا ، مما ينبغي معه أن يعي الإنسان تمامًا الدلالة المؤثرة لخفقات وجدانه ، ودقات قلبه ، وأن يُستفيد منها ، ويُوقِفَ تبذير الوقت ، وصرفه فيما لا يفيد .


_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عمر موسى
متهم
متهم


عدد الرسائل : 433
تاريخ التسجيل : 14/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: النقد الأدبي ..   الإثنين ديسمبر 29, 2008 1:18 am






أرجو أن أكون قد وفقت في الاختيار

وأن يكون في جليل الفائدة وعميق الأثر لدى القاريء الكريم





_________________

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النقد الأدبي ..
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الحرفmoltaqalharf :: أسرار الحرف :: علوم اللغة-
انتقل الى: